نبذة تاريخية عن نجد خلال القرون الثلاثة السابقة للدعوة الإصلاحية         نظرات في كتاب: الحياة العلمية في وسط الجزيرة العربية         سبعون فكرة بحثية في العقيدة وغيرها         لا عدوى ولا صفر         أيها الشاب ..تأمل هذه المكاسب !         20 خطوة عمليه لعلاج الغضب          أحكام المسح على الخفين والعمامه والخمار الجبيرة          أحب الأعمال إلى الله          باب التوبة مفتوح          كيف تقاوم شهوتك!         استعداد مدارس واحة الرواد للعام الدراسي الجديد 1435- 1436هـ         خدمة الواتس اب          صيحة نذير ..         ألا إن نصر الله قريب           من أشراط الساعة الفتن في هذا الزمان          حوار مع فضيلة الشيخ الهبدان         رسالتي لعبدالعزيز الريس         الفيلم الكرتوني (99) حربا على الاديان          تغريدات د. محمد الهبدان حول #ضوابط_التعامل_وقت_الفتن         البيان السديد في ابطال الإحتفال بالمولد النبوي                نبذة تاريخية عن نجد خلال القرون الثلاثة السابقة للدعوة الإصلاحية           نظرات في كتاب: الحياة العلمية في وسط الجزيرة العربية           سبعون فكرة بحثية في العقيدة وغيرها           لا عدوى ولا صفر           أيها الشاب ..تأمل هذه المكاسب !           20 خطوة عمليه لعلاج الغضب            أحكام المسح على الخفين والعمامه والخمار الجبيرة            أحب الأعمال إلى الله            باب التوبة مفتوح            كيف تقاوم شهوتك!           استعداد مدارس واحة الرواد للعام الدراسي الجديد 1435- 1436هـ           خدمة الواتس اب            صيحة نذير ..           ألا إن نصر الله قريب             من أشراط الساعة الفتن في هذا الزمان            حوار مع فضيلة الشيخ الهبدان           رسالتي لعبدالعزيز الريس           الفيلم الكرتوني (99) حربا على الاديان            تغريدات د. محمد الهبدان حول #ضوابط_التعامل_وقت_الفتن           البيان السديد في ابطال الإحتفال بالمولد النبوي   
جديد الموقع
التاريخ :26/1/1436 هـ آراء ومقالات د.محمد بن عبد الله الهبدان
أيها الشاب ..تأمل هذه المكاسب !

أيها الشاب ..تأمل هذه المكاسب !

 

أخي الشاب :

تذكر أن انصرافكَ عن الشهواتِ ، وكبحَ نفسكِ عن الملذات ،وعفافَك عن المحرمات  ستجنى منه ثمراتٍ عديدة ، ومنافعَ كثيرةً في الدنيا والآخرة؛ منها :

أولاً : دخولَ الجنان والنجاةُ من النيران

فقد وعدَ اللهُ تعالى من حفظَ فرجهَ عن الحرامِ بدخولِ الفردوس ..فيا لله ما أعظمه من جزاء ..وما أكرمَه من عطاء .

يقول الله تعالى : ((أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ. الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)) [المؤمنون : 9-10] .

وقال سبحانه : (( أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ)) [المعارج : 35] .

وقد ضمنَ رسولَ الله r لمن حفظَ فرجهَ من الزنى واللواطِ والعادة السيئةِ بدخولِ الجنةِ التي عرضُها السمواتِ والأرضِ ، والتي فيها ما لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمعت ولا خطرَ على قلبِ بشر ، قال r : ((من يضمنُ لي ما بين لحييه - أي لسانهِ -وما بين رجليهِ - أي فرجهِ - أضمنُ له الجنة )) رواه البخاري [1]

يقولُ r : (( ثلاثةٌ لا ترى أعينُهم النارُ : عينٌ حرستْ في سبيلِ الله ، وعينٌ بكتْ من خشيةِ الله ، وعين كفتْ عن محارمِ الله)) [2]

ثانياً : أن اللهَ تعالى يُظلُك في ظلهِ يومَ لا ظلَ إلا ظلُه ، وذلك عندَ اجتماع الخلائقِ يومَ القيامةِ

 قال r : ((سبعةٌ يظلهُم اللهُ في ظلهِ يومَ لا ظلَ إلا ظلُه … وشابٌ دعتهُ امرأةٌ ذاتُ منصبٍ وجمالٍ ، فقال : إني أخافُ الله )) [3]

فلا إله إلا الله ما أسعدكَ أخي الشابُ إذا أظلكَ اللهُ بظلهِ يوم لا ظلَ إلا ظلهُ .

ما أسعدكَ إذا قامَ الناسُ لربِ العالمينَ ودنتْ منهم الشمسُ واشتدَ عليهمُ حرُها ، وأخذَهُم العرقُ،وأنتَ في ظلِ عرشِ الرحمنِ في أمنٍ وأمان .

فنسألك اللهم أن تجعلنَا منهم .

ثالثاً:ومن الثمراتِ أيضاً السعادةُ القلبية ، والراحةُ النفسية ، والعزةُ الإيمانية .

 فمن تركَ شيا لله عوضَهُ اللهُ خيراً منه ، ومن تركَ هذه الشهواتِ المحرمةَ عوضَهُ الله تعالى إيماناً يقلبُ حياةَ الهمِ والغمِ انشراحا ، ويحولُ حياةَ النكدِ والشقاءِ سعادةً وانبساطا ، ويجعلُ حياةَ الذلِ والمهانةِ عزةً ورفعة ..

ومن ذاقَ طعمُ الاستقامةِ فلن يبغيَ بها بدلا ، ولا عنها حِولا ، فالنفسُ إذا وجدتْ لذةَ العبادةِ، وذاقتْ طعمَ الإيمانِ ، وبردَ اليقينِ ، واستشعرتْ رَوْح قربِ الله ، وجَميلَ نظرهِ ؛ لم تَحنَّ إلى تلكَ الشهوات .

من ذاقَ طعمَ نعيمِ القومِ يدريه    ومن دراه غدا بالروحِ يشريه

وكلُّ هذا محسوسٌ مجربٌ ، وإنما يقعُ غلطُ أكثرِ الناسِ أنه قد أحسَ بظاهرٍ من لذاتِ الفجورِ وذاقَها ، ولم يذقْ لذاتِ أهلْ البر ، ولم يخبرها . "[4]

ولذا إسمعْ إلى من جربَ تلك اللذةَ والسعادةَ يقولُ شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ رحمه الله : (إن في الدنيا جنةً من لم يدخلْها لم يدخلْ جنةَ الآخرة ) .

ويقولُ : (الإنسانُ في الدنيا يجدُ في قلبهِ بذكر الله ، وذكرِ محامدهِ وآلائهِ وعبادتهِ من اللذةِ ما لا يجدهُ بشيءٍ آخر ) .

وكما قالَ أحدُ العبادِ عن حالهِ : إنه ليمرُ بالقلبِ أوقاتٌ أقولٌ فيها : إن كانَ أهلُ الجنةِ في مثلِ هذا ،إنهم لفي عيشٍ طيب ، وقال آخرَ : إنه ليمرُ بالقلبِ أوقاتٌ يهتزُ فيها طرباً بأنسهِ باللهِ ،وحبهِ له ، وقال آخرُ : مساكينٌ أهلُ الغفلةِ ؛ خرجوا من الدنيا وما ذاقوا أطيبَ ما فيها .

وقالَ آخرُ : لو علمَ الملوكُ وأبناءُ الملوكِ ما نحنُ فيه لجالدونَا عليه بالسيوف .[5] وممن جربوا حياةَ السعادةِ من الذين عادوا إلى اللهِ تعالى في زمانِنا ؛ الممثلُ محسنُ محيي الدينِ وزوجتهُ الممثلةُ نسرين .

يقولُ محسنُ بعد اتخاذهِ قرارَ تركِ الفن : ( هذا القرارُ - إن شاءَ الله - لا رجعةَ فيه ، لأني اتخذتُه لكاملِ قناعتِي وإرادتي ،وندمتُ لأني تأخرتُ فيه حتى الآن ، فالأضواءُ ليست غاليةً حتى أَحنَّ إليها مرةً أخرى ، فالشهرةُ والمالُ والأضواءُ لا تساوي ركعتينِ لله .

وتقولُ زوجتُه نسرين : ( الحمد لله ، كان يومي يضيعُ دون إحساسٍ بالسعادةِ ودون أن أشعرَ بالسلامِ ، والآن لدي وقتٌ كافٍ ؛ لأن هناكَ أموراً كثيرةً نافعةً يجبُ اللحاقُ بها ، لقد وجدتُ السلامَ الداخلي ) [6] .

وهذه الممثلةُ المصريةُ المشهورةُ هناءَ ثروتْ التي عاشتْ في عالمِ الفنِ فترةًَ من الزمنِ حتى منَ اللهُ عليها بالتوبةِ، تقولُ عن حياتِها السابقِة : ( قد تتساءلُ صغيرتي : هل كنتِ سعيدةً حقاً يا أمي ؟ ابنتي الحبيبةُ لا تدري بأني قطعةُ من الشقاءِ والألمِ ؛ فقد عرفتُ وعشتُ كلَّ ما يحملُ قاموسَ البؤسِ والمعاناةِ من معانٍٍٍ وأحداث ) [7] .

ثم تقولُ : ( أولادي الأحباءُ ،لم يعرفوا أن أباهَم في عمامتِه ، وأمَهُم في جلبابِها ، كانا ضالينِ فهداهما الله ، حلاوةَ التوبةِ والإيمانِ ) [8] .

فلماذا أخي الشابُ لا تجربُ هذه الحياةَ ؟ ولماذا لا تخوضُ غمارَها ؟ فقد جربتَ كلَّ شيءٍ إلا طريقَ الاستقامةِ فهل آن الأوانُ لتسير فيه ؟

رابعاً : وفي امتناعِك عن الشهواتِ ، وحفظكِ لأعضائكِ عن الحرام .

حفظُ الله تعالى لك ورعايتُه لشؤونِك ،روى الترمذي عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ :كُنْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ r  يَوْمًا فَقَالَ: ((يَا غُلَامُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ، احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظْ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ )) [9]

نعم، احفظ اللهَ بامتثالِ أوامرهِ واجتنابِ نواهيه، احفظِ اللهِ فلا يراكَ إلا حيثُ يحبُ، ولا يراكَ حيثُ يكرَه، واعلم أنك بقدرِ ما تحفظُ حق اللهِ عليكَ، بقدرِ ما يحفظُ اللهُ عليكَ دينكَ ودنياكَ وسمعتكَ ومكانتكَ.

ولا أدلَ على ذلك من قصةٍِ جاءتْ في الصحيحينِ وخبرُها أن رجلاً من بني إسرائيلَ يقالُ له : جريجً ..تفرغَ للعبادةِ والطاعةِ ..فبينا هو يصلي لله ربِ العالمينِ ، إذ بصوتِ أمهِ تقولُ له : يا جريج !! يا جريح ..فاحتار ماذا يفعلُ هلْ يكملُ صلاتهُ ..أم يستجيبُ لأمه ؟ فقدمَ الصلاةَ على إجابةِ نداءِ أمه ..فقالت أمهُ مرةً ثانيةً : يا جريح ..يا جريج ..فاحتارَ هلْ يستجيبَ لنداءِ أمهِ أم يكملُ صلاتَه ؟ فختارَ الصلاةَ على إجابةِ النداءِ !! فلما رأتْ أمهُ إعراضَه وعدمَ استجابتِه رفعتْ يديها و دعتْ ربها وقالت : اللَّهُمَّ لَا تُمِتْهُ حَتَّى تُرِيَهُ وُجُوهَ الْمُومِسَاتِ !! ثم مضتْ الأيامُ ..وجريجٌ في صومعتِه يتعبدُ لربه ..فسمعتْ بشأنِه امرأةٌ بغيٌ فقالتْ : لأفْتِنَنَّ جُرَيْجًا ..فَتَعَرَّضَتْ لَهُ وتزينتْ وتجملتْ لعله أن يقعَ عليها فأبى ..فكلمتهُ لعله أن يلين فأبى ..فلما رأتْ ثباتَه وتصميمَه هداها الشيطان لحيلةٍ خبيثة ، ومكيدةٍ ماكرة ..للوقعيةِ بجريج .. فخرجتْ عن القرية فإذا براعيٍ للغنمِ يرعى غنَمه ..فَكَلَّمَتْهُ وأَمْكَنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا ..فَوَلَدَتْ غُلَامًا ، فلما سألها أهلُ القريةِ عن هذا والد الغلامِ ؟ قَالَتْ : هُوَ مِنْ جُرَيْجٍ !!

فَأَتَوْهُ وَكَسَرُوا صَوْمَعَتَهُ، وأَنْزَلُوهُ وَسَبُّوهُ ، فلما سألَ عن سر هذا الصنيعِ؟ أخبروه الخبرَ!!

فعلمَ أنه ابتلاءٌ من الله تعالى ، فقام فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى ثُمَّ قال: أين الغلامُ ؟ فأَتَى به وهو في شهوره الأولى ، فَقَالَ جريج : مَنْ أَبُوكَ يَا غُلَامُ ؟ قَالَ :أبي الرَّاعِي ، عندها ظهرَ الحقُ وعلموا أنهم قد ارتكبوا في حقهِ جرماً عظيماً .!

نعم احفظِ الله تعالى يحفظْك ..حفظ الله تعالى فحفظه الله في وقت الشدة .

وخبرُ الثلاثةِ الذين انْحَدَرَتْ صَخْرَةٌ مِنْ الْجَبَلِ فَسَدَّتْ عَلَيْهِمْ الْغَارَ فَقَالُوا : إِنَّهُ لَا يُنْجِيكُمْ مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ إِلَّا أَنْ تَدْعُوا اللَّهَ بِصَالِحِ أَعْمَالِكُمْ .. فانفرجتُ عنهم  بسبب بُعدِ أحدهِم من الزنى ..احفظ الله يحفظك ..

جاءَ في سيرةِ القاضي أبي الطاهرِ الطبري – وكان قد جاوزَ المائةَ وما يزالُ محتفظاً بعقلهِ وصحتهِ – أنه وثبَ يوماً من المركبِِ إلى الساحلِ وثبةً شديدةً، فعاتَبه من كان معَه في ذلك فقالَ: هذه جوارحُ حفظناها عن المعاصي في الصغرِ، فحفظَها اللهُ علينا في الكبر.

ويوسفُ عليه السلامُ لما حفظَ حدودَ اللهِ تعالى ، ولم ينتهكْ  محارمَه ، وعفَ نفسَه عن الحرامِ ، يا ترى ما الذي جرى له ؟ ما الذي حدث له ؟

لقد أصبحَ يوسفُ عليه السلام بعد حياةِ البؤسِ والمهانةِ ، وزيرَ الماليةِ على بلادِ مصرَ، يا سبحان الله .. إن المسافةَ هائلةٌ بين غياهبِ الجبِ التي أُلقي فيها يوسفُ عليه السلامُ وبين علو الشأنِ في ملكِ مصرَ.

إنها عاقبةُ الصبر عن معصيةِ الله،فلذا فإن جزاءَ الصابرينَ ينالُه ذوي العفةِ ،لاسيما من أمثالٍك أخي الشابُ الذي تتأججُ الشهوةُ في نفسهِ، والذي لا تحافظُ على عفتكَ إلا بصبرٍ عظيمُ ..تصبر عيناكَ عن النظرِ الحرامِ .. وأذناكَ عن سماعِ الحرام ..ورجلاكَ عن السعي إلى الحرام .. وَجلِدِكَ عن الجسدِ الحرام ..وفَرجِكَ عن الفرجِ الحرام ..وقد قال ربُ العزةِ والجلال : ((إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ)) [الزمر : 10] فأجرُك وفيرٌ من ربٍ كريم .

خامساً : وفيها مضاعفةٌ لأجرِك وثوابِك

فكلما تضاعفتْ دواعي الفتنةِ والفجورِ استلزمَ ذلكَ قدرا أكبرَ من التقوى والصبرَ عن المعاصي، مما يجعلٌ صاحبَه في ميزانِ أعدلِ الحاكمين أوفرَ جزاءً وأجزلَ ثواباً ففي الحديث : ((العبادةُ في الهرجِ - أي وقتِ الفتنِ واختلاطِ أمورِ الناس -  كهجرةُ إليّ )) رواه مسلم .

وذكرَ r أن أجرَ العاملِ في وقتِ الفتنِ والشهواتِ [10] كأجرِ خمسينَ من صحابتِه . [11] فيا لله ما أعظمَهُ من أجر ؟ وما أكثَره من عطاء ؟ فمن يسابقُ في فعل الخيراتِ وتركِ المنكرات ؟!!

سادساً :ومن ثمرات عفتكِ أخي الشابُ: سلامةُ مجتمعِك من العقوباتِ الإلهية ، والكوارثِ الربانيةِ

يقول النبي r : ((إذا ظهرَ الربا والزنى في قريةٍ فقد أحلوا بأنفسِهم عذابَ الله))  رواه الحاكمُ وحسنَه الألباني [12] .

وقال r : ((لا تزال أمتي بخيرٍ ما لم يفشوا فيهم ولدُ الزنى فإذا فشى فيهم ولد الزنى فأوشكَ أن يعمَهمُ الله بعذاب)) رواه أحمدُ وحسنَه الهيثمي [13]

وتصورَ أخي الشابُ نفسكَ عندما تحلُّ عليكَ عقوبةُ الله تعالى ..عندما يغورُ الماءُ ..أو عندما يكتسحُ الطوفانُ البلادَ ..أو عندما تحلُّ الأمراضُ والأوجاعُ ..أو عندما تحلُ الحروبُ المهلكةُ ..أو الصواعقُ المدمرةُ ..فكيف يكونُ شعورُك ؟

ويا ترى ما حالُ أُمِكَ المسكينةِ الصالحةِ القانتةِ ؟

وما حال والدِكَ الكبيرِ عندما يُصابُ بمثلِ هذه المصائبِ، ماذا يصنعُ بنفسه ؟ وكيف ينجو بروحهِ ؟ فهلا امتنعتَ عن هذه القاذرواتِ حفاظاً عليهمِا وعلى نفسِك؟

سابعاً : ومن ثمراتِ كبحِكَ لشهواتِك تحققُ الإيمانِ في قلبك ،وثناءُ اللهِ تعالى عليكَ ،يقولُ الله تعالى : ((قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ. الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ. وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ. وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ. وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ. إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ)) [المؤمنون : 1-6] . 

و الذي يقارفُ تلكَ القاذوراتِ ينتفي عنه الإيمانُ لينتقلَ بعدَ ذلكَ إلا أقلِ المراتبِ ، وأدنى المنازلِ وهي مرتبةُ الإسلامِ، يقولُ النبي r : ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن )) .

يقول ابنُ عمر رضي الله عنهما : صِدقْ الإيمان إذا خلا الرجلُ بالمرأةِ الحسناءَ فيدعُها لا يدعُها إلا للهِ عز وجل .

ثامناً : ومن تلك الثمراتِ أيضا الكرامةُ في الدنيا والذكرُ الجميل

وإنها والله لكرامةٌ عالية أن يقعد الرجلُ مقعدَ الزنى أو تدعوَه امرأةٌ ذاتُ منصبٍ وجمال ، فيستعفف على ما فيه من الشهوةِ وحرارةِ الغريزة مما يستحيلُ فعلُه إلا على المؤمن وما أجملَ قصةَ ذلك الشابِ الذي كان في الشام و قد أعطاه الله تعالى صورةً جميلة ..وبينا هو ذاتَ يوم يتجول ببضاعته ليكسب قوتَ يومِه ، إذ رأته امرأةٌ فأعجبته فأشارت إليه بيدِها من وراءِ الباب ..فلما جاء إليها ، قالت له : ادخل لأنظرَ في بضاعِتك فإني لا أستطيعُ الخروجَ ..فدخل الشابُ عليها ، فما إن تمكنت منه حتى بادرت بسرعةٍ فائقةٍ فأغلقتْ عليه الباب ، وهو لا يدري ماذا يراد به ، وماذا يحاك له ..فتساءل ما الخبر ؟ ولماذا أُغلق الباب ؟ فقالت له : حاجتي أن تفعل كذا - أي الزنى والعياذُ بالله - فقال لها والإيمانُ يملأ ُقلبه : يا أمةَ اللهِ اتقي الله ..يا أمةَ اللهِ اتقي الله ..فحاولت به فرفض ..فلما عرف الشابُ عزمَها وتصمَيهما وشغفَ قلبِها به وأنه قد وقع في مأزق عظيم..قال لها : إذن دعيني أتزينُ لك وأتهيأ ..ففرحت بذلك ..وأظهرتِ السرورَ والبشرَ به ..وتهيأت له ..فلما دخلَ الحمامَ ..فكر ..كيف الخلاصُ من هذا المأزقِ العظيم ..والموقفِ المهول ؟ فخطرت في باله فكرةُ ..ولكن كيف يتجرأ على فعل هذا القبيح ..وكيف سيراهُ الناس إذا خرج على هذه الصورة ؟ فاستعان بالله تعالى ..وقارن بين المفسدتين ..ففعل أخفَهما ..فبدأ بممارسةِ فكرتهِ ..وعملِ خطتِه ..فأخذ من الفضلاتِ الموجودةِ في الحمام وبدأ يلطخُ نفسه ..هنا وهناك ..حتى ملأ ثيابه منها !! ثم خرج إليها ..فما أن رأته على هذه الحالة ..وإلا وتقززت منه وطردتْه من بيتها ..فخرج هارباً فاراً بدينه ..وإذا بالأطفال يلاحقونه في الطرقاتِ ويعيرونه بما عليه ..ولكنّ اللهَ تعالى الذي يبده مفاتيحُ كلِ شيءٍ قلبَ الأمرَ من ذلٍ ومهانة إلا عزٍ ومكانة ..فأبدل الله تعالى ذلك الشابَ بدلَ رائحةِ النتنِ والقذرِ برائحة الطيبِ والمسكِ التي تشم منه دائما فسمي المسكيُّ ..فما أعظمها من كرامةٍ وما أجلها من رفعةٍ ..هذا في الدنيا فكيف بالآخرة ؟!!

تاسعاً : قوةُ الإرادةِ

وذلك أن ترك الشهواتِ والملذات التي تهواها النفوسُ ، وتميل إليه القلوبُ  يتطلب قدرا كبيرا من الإرادةِ القوية ، والعزيمةِ الصادقة ليقهر سلطانُ التقوى سلطانَ الهوى : ((وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى)) [النازعات :40-41] .

وقوةُ الإرادِة من الأسسِ الهامةِ لبناء شخصيتك المسلمة ، فهي التي تمكنك من التحلي بالفضائلِ والتخلي عن الرذائلِ وأداءِ الأوامرِ الإلهيةِ ..قال تعالى : ((وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً)) [الإسراء :19] . [14]

أخي الشاب :

ثمراتُ العفافِ والطهرِ والنقاءِ كثيرةٌ يطولُ المقامُ بذكرها لكنْ أُجملها لك حتى تعلم حجمَ المكاسبِ التي ستجنيها من كبحِ نفسكِ عن الشهواتِ المحرمة ، فمن ذلك: إقامُة المروءةِ ، صونُ العرضِ ، وحفظُ الجاهِ ، وصيانةُ المالِ الذي جعله الله قواما لمصالح الدنيا والآخرة ، ومحبةُ الخلقِ ، وراحةُ البدنِ ، وقوةُ القلبِ ، وطيبُ النفس ، ونعيمُ القلب ، وانشراحُ الصدر ،والأمنُ من مخاوفِ الفساقِ والفجار ، وقلةُ الهمِ والغمِ والحزن ، وعزُ  النفسِ عن احتمال الذل ، وصونُ نورِ القلبِ أن تطفئَه ظلمةٌ المعصية ، وحصولُ المخرجِ لمتقي الذنوب ما ضاق على الفساق والفجار، وتيسيرُ الرزقِ عليه من حيث لا يحتسب ، وتيسيرُ العلمِ والثناءُ الحسنِ من الناس ، وكثرةُ الدعاءِ ، والحلاوةُ التي يكتسبها وجههُ ، والمهابةُ التي تُلقى له في قلوبِ الناس وانتصارهُم وحميتُهم له إذا أُوذي أو ظُلم ، وذودُهم عن عرضه إذا اغتابَه مغتابٌ ، وسرعةُ إجابةِ دعائهِ ، وزوالُ الوحشةِ التي بينه وبين الله ، وقربُ الملائكةِ منه ، وبعدُ شياطينِ الإنس والجن عنه ، وتنافسُ الناسِ على خدمتهِ وقضاءِ حوائجهِ ، وخطبتُهم لمودتِه وصحبتِه ، وعدمُ خوفِه من الموتِ بل يفرح به لقدومه على ربه ولقائه له ومصيره إليه ، وصغرُ الدنيا في قلبه وتعظيمُ الآخرةِ عنده ، وحرصهُ على الملكِ الكبيرِ والفوزِ العظيمِ فيها، وذوقُ حلاوةِ الطاعةِ ، ووجدُ حلاوةِ الإيمان ، ودعاءُ حملةِ العرشِ له ومَنْ حولهم من الملائكة ، وفرحُ الكاتبينِ به ودعاؤهم له في كلِ وقت ، والزيادُة في عقلهِ وفهمهِ وإيمانهِ ومعرفتهِ وحصولُ محبةِ الله له ، وإقبالهِ عليه وفرحِه بتوبته ، هذه بعض ثمرات عفافك وطهرك ونقائك ، وكفى بها باعثا لك على ترك الشهواتِ والمعاصي ، وهكذا يجازيه الله بفرح وسرور لا نسبة له إلى فرحِه وسرورِه بالشهوةِ المحرمةِ بوجه من الوجوه . [15]



[1] رواه البخاري (6474 )

[2] أخرجه أبو يعلي في معجمه (215) والطبراني في الكبير (19/416) من حديث معاوية بن حيدة ، قال الحافظ ابن حجر في الفتح (6/423) إسناده حسن .

[3] رواه البخاري (660) ومسلم (1031) .

[4] جامع الرسائل لابن تيمية (2/363 ) .

[5]  التوبة وظيفة العمر ص 296  .

[6]  العائدون إلى الله 4/17-18 .

[7]  العائدون إلى الله 2/31 .

[8]  العائدون إلى الله (2/37) .

[9] ورقمه (2516) وقَالَ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .

[10] أي من المؤمنين العالمين في وقت الفتن .

[11] انظر : العفة ومنهج الاستعفاف ص99  .

[12] أخرجه الحاكم (2/37) وحسنه الألباني في غاية المرام ص 203 رقم (344) .

[13] قال الهيثمي في المجمع (6/257) رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني وقال : لا تزال أمتي بخير متماسك أمرها ما لم يظهر .." وفيه محمد بن عبدالرحمن بن لبيبة ، وثقه ابن حبان وضعفه ابن معين ومحمد بن إسحاق وقد صرح بالسماع فالحديث صحيح أو حسن.

[14] انظر : العفة ومنهج الاستعفاف ص99 .

[15] انظر : العفة ومنهج الاستعفاف ص 102 بتصرف .

طباعة 40132  زائر ارسال