الوهابية في مواجهة الغلاة         نبذة تاريخية عن نجد خلال القرون الثلاثة السابقة للدعوة الإصلاحية         نظرات في كتاب: الحياة العلمية في وسط الجزيرة العربية         سبعون فكرة بحثية في العقيدة وغيرها         لا عدوى ولا صفر         أيها الشاب ..تأمل هذه المكاسب !         20 خطوة عمليه لعلاج الغضب          أحكام المسح على الخفين والعمامه والخمار الجبيرة          أحب الأعمال إلى الله          باب التوبة مفتوح          كيف تقاوم شهوتك!         استعداد مدارس واحة الرواد للعام الدراسي الجديد 1435- 1436هـ         خدمة الواتس اب          صيحة نذير ..         ألا إن نصر الله قريب           من أشراط الساعة الفتن في هذا الزمان          حوار مع فضيلة الشيخ الهبدان         رسالتي لعبدالعزيز الريس         الفيلم الكرتوني (99) حربا على الاديان          تغريدات د. محمد الهبدان حول #ضوابط_التعامل_وقت_الفتن               الوهابية في مواجهة الغلاة           نبذة تاريخية عن نجد خلال القرون الثلاثة السابقة للدعوة الإصلاحية           نظرات في كتاب: الحياة العلمية في وسط الجزيرة العربية           سبعون فكرة بحثية في العقيدة وغيرها           لا عدوى ولا صفر           أيها الشاب ..تأمل هذه المكاسب !           20 خطوة عمليه لعلاج الغضب            أحكام المسح على الخفين والعمامه والخمار الجبيرة            أحب الأعمال إلى الله            باب التوبة مفتوح            كيف تقاوم شهوتك!           استعداد مدارس واحة الرواد للعام الدراسي الجديد 1435- 1436هـ           خدمة الواتس اب            صيحة نذير ..           ألا إن نصر الله قريب             من أشراط الساعة الفتن في هذا الزمان            حوار مع فضيلة الشيخ الهبدان           رسالتي لعبدالعزيز الريس           الفيلم الكرتوني (99) حربا على الاديان            تغريدات د. محمد الهبدان حول #ضوابط_التعامل_وقت_الفتن  
جديد الموقع
التاريخ :25/3/1431 هـ بحوث ودراســات عصام محمد عبد الشافي
السياسة الأمريكية تجاه المملكة العربية السعودية

                        .. دراسة في تأثير البعدالديني 

                      رسالة دكتوراه

تعد علاقة الولايات المتحدة الأمريكية بالمملكة العربية السعودية علاقة إستراتيجية متميزة، تضرب بجذورها إلى تاريخ تأسيس الدولة السعودية، وقد مرت هذه العلاقة بتطورات كثيرة، وهي مرتكزة على أسس سياسية واقتصادية مشتركة.

وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة الأمريكية قامت ببناء نموذج تعاون اقتصادي واستراتيجي قوي مع المملكة العربية السعودية، إلا أن البعد الإسلامي للسياسة السعودية كان محل اهتمام صانعي القرار الأمريكيين، وهو ما تم التعامل معه عبر عدة مستويات؛ فمن ناحية اعتمدت الولايات المتحدة على هذا البعد في تحريك المملكة ضد النظم السياسية الثورية العربية (البعثية والقومية) في الستينات من القرن العشرين، وضد الثورة الإسلامية الإيرانية (بشعاراتها المضادة للمصالح الأمريكية) في نهاية السبعينات، وفي دعم المجاهدين ضد الغزو السوفيتي لأفغانستان في الثمانينات، وفي التصدي لهؤلاء المجاهدين بعد عودتهم إلي دولهم بعد انهيار الاتحاد السوفيتي خلال حقبة التسعينات. ومن ناحية أخرى كانت هناك سياسة احترازية تبنتها الولايات المتحدة قامت على قياس مستوى التراكم الكمي للبعد الإسلامي في السياسة السعودية مستقبلا، ومدى قدرتها على تشكيل تأثير على مكانة الولايات المتحدة في الإطارين العربي والإسلامي، ومن هنا بدأت بوضع أسس لمصادر توتر قابلة للتحريك، سواء داخل المملكة نفسها أو داخل إقليمها الجغرافي، يمكن للولايات المتحدة أن تستخدمها عند الضرورة.

ومع اهتزاز التحالف التقليدي بين الولايات المتحدة والمملكة بعد أحداث سبتمبر 2001، بسبب تزايد مؤشرات التدخل الأمريكي في الشؤون الداخلية السعودية -مع تزايد إدراك الولايات المتحدة لما تعتبره تهديدًا لأمنها؛ لاعتبارات نابعة من طبيعة النظام السعودي-؛ وخاصة ما يتعلق منها بالعلاقة بين الدين والدولة، وذلك تحت تأثير رؤية الإدارة الأمريكية للحرب على الإرهاب، وانعكاس هذه الرؤية على توجهات وقضايا وأدوات السياسة الأمريكية تجاه المملكة؛ تحقيقًا للمصالح الإستراتيجية الأمريكية في المنطقة، وكذلك على طبيعة العلاقة بين البعد الديني والبعد المصلحي في السياسة الأمريكية بصفة عامة، وتجاه العالم الإسلامي والمملكة بصفة خاصة.

أهمية الدراسة: الدوافع والأهداف

وتنبع أهمية هذه الدراسة من تعدد دوافع القيام بها، وكذلك تعدد الأهداف التي سعت إلى تحقيقها، ففي إطار الدوافع تبرز عدة اعتبارات؛ من بينها:

1- تجدد الاهتمام، في أدبيات العلاقات الدولية والسياسة في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، بعلاقة الأبعاد الدينية (وما يرتبط بها من أبعاد ثقافية وحضارية وقيمية وأيديولجية) بدراسة وتحليل السياسة الخارجية.

2- ما تثيره العلاقة بين الدين والسياسة الخارجية الأمريكية من قضايا وأبعاد، ترتبط في جانب كبير منها برؤية اليمين الديني الأمريكي للعالم، وتوجهاته تجاه الوحدات التي يتكون منها، والمحددات التي تحكم هذه التوجهات، وما تثيره هذه التوجهات وتلك المحددات من قضايا.

3- تصاعد الدور الذي يقوم به اليمين الديني في صياغة توجهات السياسة الأمريكية وتحديد أهدافها، وبروزُ نوع من التوحد في المصالح بين اليمين السياسي واليمين الديني، وصياغتهما رؤية بشأن الولايات المتحدة تقوم على النظر إليها باعتبارها "وطنا استثنائيا تاريخيا" لابد أن يسود ويهيمن، وأن يكون لها دورها في تطهير الثقافة السائدة، وشن الحرب المقدسة ضد "الشيطان" القابع في قلب الوطن، أو الذي قد يظهر في أية بقعة من بقاع العالم معوقًا امتداد "أمريكا الرسالة"، التي تعبر عن "الإرادة الإلهية".

4- تداعيات أحداث سبتمبر والتي حملت في طياتها من وجهة نظر البعض رسالة مزدوجة المحتوى إلى صانع السياسة الخارجية الأمريكية؛ ففي الوقت الذي أثبتت فيه أن الإرهاب أصبح ظاهرة ذات طابع عالمي، جاءت لتشير إلي أن هذه الظاهرة من وجهة نظر الكثيرين هي في الغالب إسلامية، وهو ما أفرز العديد من الانعكاسات على صياغة السياسة الأمريكية تجاه العالم الإسلامي.

5- ترسخ تأثير البعد الديني كإطار مرجعي للسياسة الخارجية الأمريكية بعد أحداث سبتمبر، وتعدد المؤشرات والممارسات الدالة على ذلك؛ كدعم حركات التبشير في العديد من مناطق الإسلام، وزيادة الدعم المالي والسياسي للمنظمات الدينية الأمريكية، وإطلاق المبادرات الإصلاحية التي تنطوي على جوانب قيمية وحضارية وثقافية.

6- الأهمية المحورية لموقع المملكة في التوازنات العربية والإسلامية في ظل التحولات التي تشهدها العديد من الدول العربية والإسلامية من ناحية، والتطورات الداخلية التي تشهدها المملكة وموقعها من مشروعات الإصلاحات المطروحة داخليًا وإقليميًا وعالميًا من ناحية أخري، وخاصة ما يتعلق منها بتأثير التوجهات الأمريكية في المنطقة على مستقبل النظم والسياسات ذات المرجعية الإسلامية بأنماطها المختلفة.

وفي إطار الأهداف التي سعى الباحث إلى تحقيقها؛ فمن أهمها:

1- الإسهام بجهد يسير في بناء إطار نظري حول تأثير البعد الديني في دراسة وتحليل العلاقات الدولية والسياسة الخارجية، والذي يعاني التجاهل والتغييب نوعا ما في الأدبيات العربية؛ أملا في أن يكون هذا الإطار مقدمة لرؤية مقارنة في صياغة وتشكيل السياسات الخارجية للدول العربية والإسلامية تأخذ في اعتبارها دور البعد الديني في عصر بدأت تتراجع فيه مفاهيم العلمانية في توجيه العلوم الاجتماعية، هذا من ناحية، ومن ناحية أخري تحقيق مزيد من الفهم للسياسات الخارجية للدول الفاعلة في العالم المعاصر، وخاصة ذات التأثير المتصاعد في إدارة القضايا والتفاعلات العربية والإسلامية، ولفت أنظار الباحثين والمهتمين إلى ما يثيره البعد الديني في دراسة وتحليل العلاقات الدولية من قضايا وإشكاليات، لتكون محلا لدراسات مستقبلية، من شأنها توفير تراكم علمي عربي في هذا الإطار.

2- محاولة تقديم رؤية علمية عربية تدعم صانعي السياسات الخارجية للدول العربية، وخاصة ما يتعلق منها بالمكون الديني -كأداة أو مرجعية- في صياغة توجهات وقضايا وأدوات هذه السياسات؛ لأهمية هذا المكون في إرساء مزيد من الشرعية والاستقرار للنظم السياسية العربية، في ظل الأهمية المحورية للدين الإسلامي في النسيج الحضاري والثقافي العربي، وكونه أحد أهم مظاهر خصوصيتها ومُشكِّل هويتها، خاصة في ظل الضغوط والقيود الدولية والإقليمية والداخلية التي ما فتأت تلعب دورها في التأثير على توجهات وسياسات وأدوات الدول الإسلامية.

وقد تم التركيز في إطار الظاهرة محل الدراسة على بيان طبيعة وموقع البعد الديني في السياسة الأمريكية تجاه المملكة العربية السعودية، والمحددات التي تحكم تأثيره في صنع هذه السياسة وتوجهاتها وقضاياها، والأدوات التي اعتمدت عليها لتحقيق أهدافها. وجاء اختيار المملكة نابعًا من عدة اعتبارات؛ من بينها:

1- موقع الدين في المملكة؛ حيث يمثل أهم مصادر الشرعية السياسية للنظام السعودي، كما يمارس دورًا بارزًا، في صياغة وتشكيل العديد من السياسات الداخلية والخارجية في المملكة.

2- المكانة الدينية للمملكة بين المسلمين، والتي استمدتها من كونها منشأ الرسالة الإسلامية، وحاضنة أهم المقدسات الإسلامية.

3- المكانة السياسية للمملكة كقوة إقليمية مؤثرة، ترتبط بالعديد من التنظيمات الفرعية المؤثرة خليجيًا وعربيًا وإسلاميًا وعالميًا.

4- المكانة الاقتصادية للمملكة؛ باعتبارها أهم منتج للنفط في العالم، وتملك أكبر احتياطياته المعلنة، وهو ما جعلها في وضع يتيح لها أن تقرر مستوى أسعار النفط الذي تلتزم به منظمة الدول المصدرة للبترول "أوبك"، كما كانت أكثر دول الأوبك التي يمكن الاعتماد عليها في تأمين واردات أمريكا النفطية وبأسعار معتدلة. بالإضافة لكونها قادرة على زيادة حجم إنتاجها النفطي عند الحاجة لتخفف به ضائقة قصور الإنتاج في بعض دول العالم، فيما يصب في النهاية لصالح الولايات المتحدة الأمريكية، وهو ما فتح المجال أمام اتهامها بالارتباط بالمصالح الغربية، وتحديدًا الأمريكية، بغض النظر عن الأضرار التي يحدثها هذا الارتباط بمصالح الدول الأخرى المنتجة للنفط، أو بمصالح المملكة ذاتها.

5- المكانة التي تتمتع بها المملكة في الإستراتيجية الأمريكية بمستوياتها المختلفة، العالمية (المرتبطة برؤيتها الكونية)، والإقليمية (المرتبطة برؤيتها للعالم الإسلامي وموقع السعودية فيه)، والفرعية (المرتبطة برؤيتها لمنطقة الخليج، وفي القلب منه السعودية).

6- حوادث سبتمبر 2001؛ حيث تم توجيه الاتهام فيها لتنظيم القاعدة، الذي يقوده أسامة بن لادن (السعودي الجنسية)، والادعاء بأن خمسة عشر شخصًا من بين التسعة عشر الذي قاموا بها كانوا من السعودية، وهو ما كان له العديد من الانعكاسات على السياسة الخارجية الأمريكية تجاه السعودية، فكرًا وممارسةً، توجهًا وأهدافًا، قضايا وممارسات.

تقسيم الدراسة

في إطار الاعتبارات السابقة، تم تقسيم الدراسة إلى فصل تمهيدي وبابين رئيسين؛

- الفصل التمهيدي تناول الإطار النظري للدراسة عبر دراسة المفاهيم المتعلقة بالبعد الديني في العلاقات الدولية، وتأثيرات هذا البعد في العلاقات الدولية وفي السياسة الخارجية.

- على حين تم تخصيص الباب الأول لدراسة البعد الديني في محددات السياسة الأمريكية؛ حيث درس أولا البعد الديني في المحددات الداخلية للسياسة الأمريكية، واتجاهات تأثيره الخارجية، وتصاعد التيارات الدينية وتأثيراتها على رؤى إدارة بوش وممارساتها، وينتقل من ذلك إلى دراسة البعد الديني في المحددات الخارجية للسياسة الأمريكية تجاه المملكة العربية السعودية، والتوجهات الإستراتيجية الأمريكية العالمية بعد سبتمبر 2001 تجاه الإسلام.

- أما الباب الثاني فجاء تحت عنوان: "البعد الديني في قضايا السياسة الأمريكية تجاه المملكة العربية السعودية"، وركز على ثلاث قضايا أساسية؛ هي: تطوير التعليم، والحريات الدينية في المملكة ، والإصلاح السياسي. كما تطرق إلى البعد الديني في السياسة الأمريكية تجاه القضايا العالمية والإقليمية ذات الصلة بالمملكة العربية السعودية؛ وذلك من خلال التركيز على قضية العمل الخيري في السياسة الأمريكية تجاه السعودية، والقضية العراقية في السياسة الأمريكية تجاه السعودية، وقضايا التوازن الإقليمي الأخرى.

نتائج الدراسة

وفي إطار هذه الاعتبارات، خلصت الدراسة إلى عدد من النتائج الأساسية؛ من بينها:

1- شكلت طبيعة الثقافة السياسية في المجتمع الأمريكي، وموقع الدين فيها، وكذلك تأثيرات التيارات الدينية والفكرية، والأفكارُ والمعتقدات الدينية للقيادة السياسية، أحدَ أهم المحددات الداخلية للبعد الديني في السياسة الخارجية الأمريكية. وقد عبرت المؤثرات الدينية والأخلاقية عن نفسها في السياسة الأمريكية في العديد من المظاهر والممارسات عبر مراحل تطورها التاريخية، وخلالها اختلفت التوجهات وتعددت السياسات والتي تصب في المحصلة النهائية في اتجاه التأكيد على هذا البعد بطرق مباشرة أو غير مباشرة، سواء تم استخدام الدين بلفظه واصطلاحه، أو تم تضمينه ضمن مصطلحات ومفاهيم أخرى؛ كـ"القيم الأمريكية و"الأخلاق الأمريكية" و"الأيديولوجية الرأسمالية" أو "الثقافة الأمريكية"، أو غيرها من المفاهيم التي تتداخل مع المفهوم وتعطي نفس مضامينه.

2- لا يعد تأثير الدين في السياسة الخارجية الأمريكية وليدَ المرحلة الراهنة، كما أنه ليس مرتبطًا بطبيعة القيادة السياسية وتكوينِ الإدارة المحافظة الحاكمة في ظل رئاسة بوش؛ بل تمتد جذوره في تاريخ الولايات المتحدة، ولكن الجديد هو حجم هذا التأثير الذي شهد تصاعدا كبيرا مؤخرا، وجاء هذا التصاعد مرتبطا، في شقه الداخلي بحوادث سبتمبر، وتنامي التيارات الدينية واليمينية في المجتمع الأمريكي، مع وجود قيادة سياسية مهيأة للاستجابة لهذا التأثير، تمتلك القدرة على نقل القناعات الذاتية إلى ممارسات فعلية. وهو الأمر الذي كشف عن تقاليد إستراتيجية أمريكية راسخة نحو التوسع والهيمنة في رداء جديد، وتحت دوافع دينية تترابط بقوة مع الدوافع الإستراتيجية والمصلحية.

ولكن مع التأكيد في هذا السياق على أن الدين ذاته ليس مصدرًا دافعًا للصراع والرغبة في السيطرة والهيمنة والتفرد واستئصال الآخر، ويتوقف ذلك على كيفية تطبيقه وتفسير الأطراف الفاعلة في السياسة الخارجية لمقولاته ومنطلقاته وغاياته، وكذلك طبيعة الجذور والخبرات التاريخية التي تمت في إطار كل دين. وهنا تبرز خبرة النموذج الحضاري الإسلامي، التي تبين كيف أنه يعكس رؤية تعارفية تعددية، في مقابل النموذج الحضاري الغربي المستند إلى التقاليد المسيحية اليهودية التي تقوم في جانب منها وفق تطبيقاتها وخبراتها المختلفة على طابع صراعي استئصالي. ومن هنا فإن الاحتجاج بالنموذج الديني اليميني الذي مثلته إدارة الرئيس جورج دبليو بوش وقواه اليمينية (2000-2008) للقول بتهميش البعد الديني في السياسة الخارجية، ليس أمرًا منطقيًا، من الناحية المعرفية والفكرية والسياسية، فالمهم هو بيان الفارق بين نموذج بوش، والتيارات التي تدعمه، والمداخل الفكرية التي يرتكز عليها، وبين نماذج أخرى ذات مرجعية دينية مختلفة، تتعارض مع طبيعة النموذج الذي قامت عليه إدارة بوش، مع أهمية إبراز الفارق بين "الدين" في كل نموذج، وليس فقط "الديني" فيها.

3- ليست السياسة الأمريكية صنيعة الإدارات والمؤسسات والهيئات الرسمية فقط؛ وإنما يشارك في صنعها شبكة واسعة من الجهات والهيئات غير الرسمية، وكذلك فريق واسع من الباحثين الذين يقدمون السلاح الفكري الضروري للدفاع عن القيم الأمريكية، مؤكدين أنه عندما تختار الولايات المتحدة البقاء خارج النزاع فإن عدالة قضيتها وحقها في التدخل في بعض النزاعات المستقبلية يظل محفوظًا لها في رأي هؤلاء الباحثين، الذين تكشف سيرهم الذاتية أن عوالم الثقافة والعلوم، والحكومة، والشركات الكبرى، مرتبطةٌ ببعضها البعض. وإذا كانت الوظائف الأكاديمية في العلاقات الدولية أو الدراسات الإستراتيجية مرتبطة بالوظائف داخل الحكومة الأمريكية، فمن الصعب أن يغامر هؤلاء بدورهم في صنع السياسة الخارجية، وبالتالي تبدو العلاقة بين عالم الثقافة والفكر من ناحية، وصنع السياسة من ناحية أخرى، طبيعيةً وصحيحةً بالنسبة للمسئولين بالحكومة.

وفي إطار هذا التأثير نجد أن غلبة التوجهات السلبية ضد المملكة -بعد أحداث سبتمبر 2000- تجد سندها الأكبر في وجود شبكة من التيارات الفكرية والمراكز البحثية والمؤسسات الحقوقية المضادة للمملكة في المجتمع الأمريكي، والتي فشلت حملة العلاقات العامة التي تبنتها المملكة في أعقاب أحداث سبتمبر داخل المجتمع الأمريكي في احتوائها وتعديل توجهاتها، بينما اقتصرت المواقف الإيجابية على بعض تصريحات مقتضبة ذات طابع دبلوماسي يحافظ على الحد الأدنى اللازم لاستقرار العلاقة بين الدولتين، وهو ما يشير إلى أن التحالف الإستراتيجي بين الولايات المتحدة والمملكة لم يكن كافيًا لتشكيل صورة إيجابية للمملكة في المجتمع الأمريكي، وخاصة بين الفعاليات غير الرسمية المؤثرة في صنع وتوجيه السياسة الأمريكية، والتي تحكمها بالأساس توجهاتها الفكرية ومنطلقاتها الثقافية والدينية المضادة للمملكة. الأمر الذي يعكس تأثير الأبعاد القيمية والدينية في تشكيل توجهات السياسة الأمريكية تجاه المملكة، وتصاعد تأثير الداخل الأمريكي في هذه السياسة، والتي امتدت إلى الداخل السعودي، بما يعني، "تأثير الداخل الأمريكي"، في "الداخل السعودي" عبر السياسة الأمريكية التي تشكل حلقة الوصل بين الداخلين.

4- شكلت حرب الأفكار الإطار العام للتوجهات الأمريكية نحو القضايا الداخلية في المملكة، وانطلقت هذه الحرب من أن المملكة لا بد أن تشهد تغييرا جذريا في مختلف المجالات، من شأنه إحداث تحولات عميقة في بيئتها الفكرية والثقافية وخصوصيتها الحضارية، وأن هذا لن يتحقق إلا من خلال خلق حالة من الجدل العام حول هذه البيئة وتلك الخصوصية وما تقوم عليه من معتقدات ومرجعيات. وكان التعليم والحرية الدينية والإصلاح السياسي والمجتمعي أهم القنوات التي تمحورت حولها السياسات الأمريكية. إلا أنه رغم الآراء الأمريكية التي تؤكد وجود انتهاكات للحرية الدينية في المملكة، فإن الإدارة الأمريكية لم تتخذ أية إجراءات لمواجهة هذه الانتهاكات، بل اتجهت في المقابل إلى تأجيل العقوبات التي يمكن أن توقع على المملكة بوصفها "دولة ذات وضع مثير للقلق الخاص"، حسب قانون الحرية الدينية؛ وجاء هذا التأجيل ليتفق وطبيعة السياسة الأمريكية، التي ترى أن توقيع مثل هذه العقوبات من شأنه أن ينال من تحالفها الإستراتيجي مع النظام السعودي، ويسبب حرجًا له قد يدفعه لتبني بعض الإجراءات التي لا تتفق والمصالح والتوجهات الأمريكية، التي يعتبر شريكًا أساسيًا فيها؛ كالحرب على الإرهاب، والتوازنات الإقليمية في المنطقة، وكذلك في مواجهة تداعيات الأزمة المالية العالمية التى كانت الولايات المتحدة أكثر المتضررين منها في ولاية بوش الثانية، ووجدت أن المملكة يمكن أن تساهم بفاعلية في الحد من هذه التداعيات.

كما أن الإدارة الأمريكية رغم ضغطها على العديد من الدول العربية وطرحها العديد من المبادرات ذات الصلة بالإصلاح السياسي، إلا أن هذه الضغوط وتلك المبادرات لم تكن ذات جدوى فيما يتعلق بالمملكة وغيرها، حيث اقتصر الأمر على بعض التصريحات الإعلامية، بل وصل إلى إشادة بعض المسئولين الأمريكيين بما أسموه "جهود الإصلاح السياسي في المملكة". ولكن في المقابل كانت المواقف الأمريكية غير الرسمية أكثر حدة في نقدها للمملكة ونموذجها الحضاري ونظامها السياسي، ووصل الأمر ببعضها لإثارة قضايا تقسيم المملكة إلى عدة دول؛ حتى تسهل السيطرة عليها. وهو ما يؤكد وجود تيار داخلي قوى ومؤثر في المجتمع الأمريكي يتعامل مع المملكة بإمكاناتها الاقتصادية ومرجعيتها الدينية ونموذجها الحضاري على أنها تحد كبير لأمن واستقرار الولايات المتحدة، ويضع الخطط ويقدم الأطروحات التي يمكن من خلالها التعامل مع هذا التحدي حاليًا ومستقبلا، لتكون هذه الخطط جاهزة للتنفيذ حال توفر الظرف الدولي المناسب، وحال وجود الإرادة السياسية الأمريكية لذلك، كما حدث في أطروحات المحافظين الجدد التي وضعت في الثمانينات والتسعينات من القرن العشرين، وتم وضعها موضع التنفيذ في السنوات الأولى من القرن الحادي والعشرين.

5- شكلت الحرب على الإرهاب الإطار العام الحاكم للسياسة الأمريكية تجاه القضايا الإقليمية والدولية ذات الصلة بالمملكة خلال الفترة محل الدراسة، وعليه فقد ارتبطت بالعديد من القضايا الأخرى؛ مثل قضية العمل الخيري وتمويل الإرهاب، والقضية العراقية، بجانب القضايا التقليدية التي تمحورت حولها السياسة الأمريكية في المنطقة؛ كالصراع العربي - الإسرائيلي، وأمن الخليج، والتوازن الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط. وقد شكلت هذه القضايا الجديدة والتقليدية محورًا للتفاعل بين الولايات المتحدة والمملكة، وتشابكت فيها العديد من الأبعاد السياسية والاقتصادية والأمنية والثقافية والحضارية، وبين هذه الأبعاد برز تأثير البعد الديني في السياسة الأمريكية تجاه المملكة، سواء على مستوى التوجهات أو السياسات التي قامت عليها هذه السياسة؛ فتم الربط بين "القضاء على الإرهاب" و"القضاء على الإسلام"، والربط بين "ضبط العمل الخيري" و"إلغاء الزكاة وتحجيم الصدقات"، كما تم الربط بين "غزو العراق"، و"تحقق نبوءات الكتاب المقدس".

ومن واقع تحليل هذه القضايا يمكن القول أنها تمتعت بالأولوية في السياسة الأمريكية تجاه المملكة مقارنة بالقضايا الداخلية في المملكة؛ فالولايات المتحدة في إثارتها للقضايا الداخلية كانت تستهدف الضغط على المملكة للتوافق مع التوجهات الخارجية الأمريكية؛ فالولايات المتحدة لم تكن تسعى لإصلاح فعلي داخل المملكة، أو تغيير في مناهجها التعليمية، لأنها تعلم أن التدخل في هذه القضايا من شأنه إثارة التوترات أمام الطابع المحافظ للمجتمع السعودي، ولكنها أرادت توجيه رسالة للنظام السعودي، أن قضاياه الداخلية ليست بعيدة عن الاهتمام، وأنها من الممكن أن تشكل سبيلا للتدخل في أوضاع المملكة؛ ليس فقط من خلال السياسة الأمريكية الرسمية، ولكن كذلك من خلال السياسة غير الرسمية وأدواتها وقنواتها متعددة المسارات.

وقد أثمر الضغط الداخلي عن العديد من التوافقات بين السياسة السعودية والسياسة الأمريكية تجاه القضايا الدولية والإقليمية محل الاهتمام المشترك؛ فكانت المملكة أقرب للأداة منها إلى الحليف الإستراتيجي للولايات المتحدة في إدارة هذه القضايا، وكانت نتيجة هذا الضغط أكثر بروزًا في قضية العمل الخيري، للدرجة التي معها تم تشكيل لجان وفرق عمل مشتركة أمريكية - سعودية للتدقيق ومراقبة وإعادة هيكلة العمل الخيري السعودي خارج المملكة، وفي داخلها أيضا. كما كانت المملكة أداة لموازنة الدور الإيراني في المنطقة، ولتسوية الأوضاع في العراق، وتسوية الخلافات بين الفصائل الفلسطينية، خشية احتوائها من جانب إيران. كما تم استخدامها كأداة في الصراعات المذهبية التي حاولت الولايات المتحدة إثارتها في المنطقة، في إطار سياسة التفتيت الديني والمذهبي التي تبنتها خلال الفترة محل الدراسة، سواء بين دول المنطقة وبعضها البعض؛ كالصراع المذهبي بين إيران من جانب والدول العربية من جانب آخر، أو بين السنة والشيعة داخل العراق ولبنان، بل والمملكة ذاتها، كخطوة مرحلية وأداة مؤجلة قابلة للاستخدام عندما ترغب الولايات المتحدة في إثارتها وتحريكها. وكانت القضية المذهبية، أهم الأدوات التي اعتمدت عليها السياسة الأمريكية في إدارتها للقضايا التقليدية ذات الصلة بالمملكة؛ كأمن الخليج والتوازن الإقليمي، وأيضًا قضية الصراع العربي - الإسرائيلي، التى اعتمدت في إدارتها كذلك على المملكة من خلال العديد من القنوات؛ كطرح المبادرات للتسوية بين العرب وإسرائيل (مبادرة 2000)، والتسوية بين الفصائل العراقية (اتفاق مكة، أكتوبر 2006)، والتسوية بين الفصائل الفلسطينية (اتفاق مكة، فبراير 2007)، والتطبيع غير الرسمي مع إسرائيل (مبادرة حوار الأديان). وجميعها أدوار جديدة على السياسة السعودية، لم تشهدها في مراحل سابقة من تطورها، إلا نادرًا.

 

التعليقات المنشورة في الموقع تعبر عن آراء أصحابها فقط، ولا تتحمل شبكة نور الإسلام أي مسؤولية عنها ولا تتبناها بالضرورة.

«««« لقراءة شروط نشر التعليق الرجاء الضغط هنا »»»»

شروط نشر التعليق

- أن يكون حول الموضوع وليس خارجه.
- الالتزام بأدب الرد والنصح والبيان.
- اجتناب ألفاظ السوء.
- ونأسف على حذف كل تعليق لا يلتزم بالشروط أعلاه.

 

كتابة تعليق
الاسم:
العنوان:
تأثير نصي:صفحة انترنتبريد الكترونيخط عريضخط مائلنص تحته خطاقتباسكودفتح قائمةعناصر القائمةإغلاق القائمة
التعليق:

1  -  الاسم : أبو رزان        من : [email protected]      تاريخ المشاركة : 26/3/1431 هـ
ماشاء الله 
 
ملخّص رائع 
 
ونريد الحصول على نسخة من هذه الرسالة المباركة

طباعة 4173  زائر ارسال