نبذة تاريخية عن نجد خلال القرون الثلاثة السابقة للدعوة الإصلاحية         نظرات في كتاب: الحياة العلمية في وسط الجزيرة العربية         سبعون فكرة بحثية في العقيدة وغيرها         لا عدوى ولا صفر         أيها الشاب ..تأمل هذه المكاسب !         20 خطوة عمليه لعلاج الغضب          أحكام المسح على الخفين والعمامه والخمار الجبيرة          أحب الأعمال إلى الله          باب التوبة مفتوح          كيف تقاوم شهوتك!         استعداد مدارس واحة الرواد للعام الدراسي الجديد 1435- 1436هـ         خدمة الواتس اب          صيحة نذير ..         ألا إن نصر الله قريب           من أشراط الساعة الفتن في هذا الزمان          حوار مع فضيلة الشيخ الهبدان         رسالتي لعبدالعزيز الريس         الفيلم الكرتوني (99) حربا على الاديان          تغريدات د. محمد الهبدان حول #ضوابط_التعامل_وقت_الفتن         البيان السديد في ابطال الإحتفال بالمولد النبوي                نبذة تاريخية عن نجد خلال القرون الثلاثة السابقة للدعوة الإصلاحية           نظرات في كتاب: الحياة العلمية في وسط الجزيرة العربية           سبعون فكرة بحثية في العقيدة وغيرها           لا عدوى ولا صفر           أيها الشاب ..تأمل هذه المكاسب !           20 خطوة عمليه لعلاج الغضب            أحكام المسح على الخفين والعمامه والخمار الجبيرة            أحب الأعمال إلى الله            باب التوبة مفتوح            كيف تقاوم شهوتك!           استعداد مدارس واحة الرواد للعام الدراسي الجديد 1435- 1436هـ           خدمة الواتس اب            صيحة نذير ..           ألا إن نصر الله قريب             من أشراط الساعة الفتن في هذا الزمان            حوار مع فضيلة الشيخ الهبدان           رسالتي لعبدالعزيز الريس           الفيلم الكرتوني (99) حربا على الاديان            تغريدات د. محمد الهبدان حول #ضوابط_التعامل_وقت_الفتن           البيان السديد في ابطال الإحتفال بالمولد النبوي   
جديد الموقع
التاريخ :13/1/1437 هـ بحوث ودراســات د. رياض بن محمد المسيميري
تأملات في سورة الليل

بسم الله الرحمن الرحيم

 وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى{1} وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى{2} وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى{3} إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى{4} فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى{5} وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى{6} فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى{7} وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى{8} وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى{9} فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى{10} وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى{11} إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى{12} وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى{13} فَأَنذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّى{14} لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى{15} الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى{16} وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى{17} الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى{18} وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى{19} إِلَّا ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى{20} وَلَسَوْفَ يَرْضَى{21}

شَرْحُ الغَرِيْب :

( وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى) : الواو للقسم ، فهو قسم بالليل إذ يغشى الكون أي: يغطيه بظلمته .

( وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى)  : الواو للقسم ، فهو قسم بالنهار إذا ظهر وتبين للأبصار .

( وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى) :  " مَا " قد تكون موصولة بمعنى( من) فيكون الله تعالى قد أقسم بنفسه أي: و(من) خلق الذكر والأنثى !

 وقد تكون مصدرية فيكون الله قد أقسم بـ (خَلْقِ) الذكر والأنثى .

( إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى)  :  أي عملكم مختلف ومتنوع لا يستقيم على طريقة واحدة,فمن الناس من يتقي الله ويعمل صالحاً, ومنهم من يستخف بجناب الله؛فيجترئ على حدوده,ويتوانى عن واجباته!

 ( فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى ) : أعطى الواجب الذي عليه من إيمان وتوحيد وعبادة وتعليم وصَدَقَ واتقى الله في كل ما يأتي ويذر .

 ( وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ) : أي بلا إله إلا الله أو بالجنّة وهو الأرجح؛ لقوله تعالى : {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلاَ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلاَ ذِلَّةٌ أُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ }يونس : (26) .

( فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى ) :  التيسير : التسهيل, أي: نُسهِّل له طرق الخير الموصلة للجنة ونحببها إليه ونهونها عليه .

( وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى ) : أي بخل عن أداء الواجب واستغنى عن ثواب ربه ورحمته.

( وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى ) : أي بكلمة الإخلاص أو بالجنّة ونعيمها .

( فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى ) : أي نُسهّل له طرق الشر الموصلة للجحيم ,من اعتناق العقائد الباطلة,والنحل الفاسدة, والأعمال الخبيثة,والمسالك الوخيمة.

(وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى) : أي مايفيده ماله إِذَا هلك وخاب وخسر, وقيل : إِذَا تردّى في النار .

( إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى) : بيان الحلال والحرام ، والحق والباطل ، وطريق الجنة ، وطريق النار,بحيث تقوم الحجة على العباد.

( الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى) : أي ينفق ماله في الأوجه المأمور بها شرعاً طلباً لزكاة النفس, و طهارتها من الشح والبخل وأطماع الدنيا .

 هداية الآيات :

هذه السورة الشريفة تصور الواقع الحياتي واليومي لجموع البشر المتزاحمين فوق هذه البسيطة ، فهذه المليارات من البشر ذوو عقائد مختلفة ، ومشارب متنوعة , وأهداف متفرقة, ومساع شتى لا يحيط بها إلا ربُّ العباد تعالى .

 بيد أنّ كلّ هؤلاء لا يخرجون عن قسمين اثنين:

 هم المصدقون والمكذبون .

  ولهؤلاء صفاتهم, ولهؤلاء صفاتهم أيضاً.

 وهي طريقة القرآن الكريم في الإيجاز والاختصار حين يكون الإيجاز أبلغ وأرسخ .

 فالمؤمن الموحد المطيع هو: المصدق بوعد الله الطامع في جنته .

 والكافر المشرك العاصي هو: المكذب بوعد الله المستغني عن جنة الله!

 والناس بجموعهم وعقائدهم ومشاربهم أحد هذين الرجلين لا غير .

 لذا أقسم البارئ تعالى لتوكيد هذه الحقيقة قسماً يوقظ كلّ ذي غفلة ، ويُنبه كلّ ذي غرور؛ بأن يتأمل في أي الفريقين هو ، ومع أي الصفَّين يقف .

  ومن رحمته تعالى أنّ حدّد سمات كلّ فريق ليهلك من هلك عن بينة ، ويحيى من حيّ عن بينة! .

 فأولى صفات الميسرين المكرمين:

 بذلهم الواجب من علم وعمل ومال للآخرين طيبة به نفوسهم ، راضية به قلوبهم وهم في ذلك مستصحبين للتقوى ملازمين لمراقبة الله تعالى طامعين في رضاه ، وجلين من أسباب غضبه ونقمته .

كما قال – تعالى-(وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (المؤمنون : 60)

 إنّ اقتران العطاء بالتقوى أمر بالغ الأهمية يترتب عليه قبول العطاء أو ردّه .

 فكم من باذل ماله وجهده وعرقه ، وكم من مسابق إلى صنائع المعروف ،  ومصاول في ساحات الجهاد ليس له من ذلك إلا النصب والوصب ، والحسرة والندامة !!.

 ذلك أنّ الكثيرين محرومون من تقوى الله فيما يأتون ويذرون ، فالإخلاص مفقود ، والسُّنة غائبة !

أليس في الأمة من يجاهد رياءً وسمعة ليقال: شجاع ؟!

 أليس في الأمة من ينفق بسخاء ليقال: جواد ؟

 أليس في الأمة من يتعلم العلم ويقرأ القرآن ليقال: عالم وقارئ ؟!

 أليس الجهاد والنفقة وبذل العلم هي أرقى ضروب العطاء والجود ؟

  فما بال عطاءاتهم خاسرة ، ونفوسهم نافقة ، وسعيهم وبال وشنار ؟!

 والجواب واضح بحمد الله فهؤلاء جميعاً قدّموا عطاء بلا تقوى وأوتوا ذكاءً ولم يؤتوا زكاءً !

  وصدق الله إذ يقول :  {لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ } الحج (37) .

  إنّ الكثيرين يخادعون أنفسهم والآخرين حين يتعلقون بالمظهر  ويزهدون بالمخبر؛ فهم يقدمون أنفسهم للجماهير تارة علماء ، وأخرى دعاة ، وثالثة قراء رغبة في الظهور والتصدر ، ونيل الثناء الرخيص ، والحظ العاجل حتى إذا ما ادلهمت الخطوب ، وتعرضوا للفتنة والبلاء وعضتهم المحنة بأنيابها الحادة ؛ ظهر مرض قلوبهم وقلبوا ظهر المجن لكل مبدأ وقيمة وخلق !

 والمقصود أنّ كلّ عطاء مهماً كان سامياً ورفيعاً ، ومهما استفاد الآخرون منه فإنه مردود لا محالة طالما افتقد الإخلاص المطلوب والمتابعة الحقة .

 ولذا عطف الله تعالى قوله  : ( وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى )  على هذه الجملة أعني قوله: ( فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى ) لتكون قيداً مهماً ، وشرطاً أكيداً في قبول كل عطاء مثالي ، فالرغبة فيما عند الله من النعيم المقيم ، والثواب العميم يجب أن يكون هو الهدف الشاخص للعيان لكل محب لطاعة ومسابق إلى معروف ومجاهد لإعلاء كلمة الله .

  ومن ذا الذي عنده مِسْكة عقل فيقدم حظاً عاجلاً ودنيا زائلة على الحسنى بحورها وقصورها ، وأشجارها وأنهارها , وبهائها وجمالها ؟!

  وإنّ التصديق بالحسنى ليس دعاوى تدعى أو أمانٍ يسرح بها الخيال ولكنه تصديق يلامس شغاف القلب, ويعانق شفافية الروح؛ فإذا بهذا المصدق بالحسنى رجلاً بألف رجل!

 عابداً زكياً, ومجاهداً أبياً, وجواد سخياً ، آمراً بالمعروف ، ناهياً عن المنكر ، طالباً للعلم ، جالساً للتعليم ، راجياً في كلّ ذلك وجه الله والدار الآخرة! .

 ( فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى) :  وهذه واحدة من رحمات الإله ، وهبة من هبات الكريم المنان, لا فلاح للعبد ولا نجاح بدونها, بل لا استقامة ولا هداية ولا توفيق ولا سداد بدون إعانة الله وتيسيره .

  ولذا كان طلب العون والتيسير دعاءً مفروضاً في كل ركعة من الصلاة  : {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } الفاتحة (4) .

   ولا ينبغي لعبد أن يطلب الإعانة والتيسير وهو منهمك في معاصيه سادر في غيه, فذلك من العجز والخذلان ، ومن سفاهات المرجئة والدراويش!

 بل لا بد من الأخذ بالأسباب وسلوك طرائق الخير ومناهج الفلاح مع دعاء الله ورجائه وتفويض الأمر إليه سبحانه .

  ولذا كانت هذه الآيات العظيمات أبلغ الآيات في إثبات القدر بمفهومه الوسط ، مفهوم أهل السنّة كما كانت رداً قاصماً, وإبطالاً ناقضاً لمذهب القدرية والجبرية ومفاهيمهما المنحرفة !

( وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى* وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى* فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى* وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى )

 وأما الصنف الآخر, وهم البخلاء والمستغنون بأموالهم وعافيتهم ، وجاههم ومناصبهم ، المكذبون بجنة الله ونعيمه فسييسرون لفعل كل ذميم ، وصنع كلّ قبيح وسيحرمون من إعانة الله وتوفيقه ، ومن ثم تكون العاقبة الوخيمة والمآل الخاسر إلى تردٍ في طبقات الجحيم عياذاً بالله .

 هذا الصنف هو أكثر الخليقة وشرها ، وحظ الشيطان ونصيبه  المفروض {وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً } النساء (118)  .

 إنهم نحلٌ شتى ، ومذاهب عدة ، وفِرقٌ لا أول لها ولا آخر ، منهم: اليهود والنصارى والمجوس والهندوس والمشركون والملاحدة ومنهم: أهل العلمنة ، والزندقة ، والإباحية ، والفجور ، ومنهم: عبدة الأهواء وأرباب الشهوات ، ودعاة التبرج والسفور ، والتبذل والإسفاف جامعهم جميعاً البخل بالتوحيد والفضيلة ، والشح بالنفس والمال والخلو من المبدأ والقيم والبعد عن التصديق وحسن العمل .

 وهم أيضاً لا يؤمنون بوعد ولا وعيد ، ولا يخافون من تخويف ولاتهديد ، مكذبون بالحسنى والجنة الكبرى ، إنهم يغدون كلّ يوم ولكن إلى أين ؟

 إلى عبادة صنم, أو تقديس وثن, أو تأليه مذهب, أو سفك دم معصوم, أو هتك عرض حرام ، أو تصدير فكر قبيح ، أونشر مبدأ سقيم ، أو إشباع لذة بطريق غير مشروع ، وإطفاء نزوة بهيئة لا تحل!

وهؤلاء المكذبون لن ينتفعوا ساعة الحسم بمال ولا ولد ولا منصب ولا جاه ، ولا سلطان ولا زعامة حين يتردون واحداً بعد الآخر في دركات جهنم : ( كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا )الأعراف: (38) .

( إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى * وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى )  وفي هاتين الآيتين الجليلتين تظهر رحمة الله جلية في الأولى منهما, وعظمته وسعة ملكه في الثانية ، وإذا كان الأمر كذلك لزم العبد أن يقطع رجائه عمّا سوى الله ويعلق قلبه بذي الملك الواسع بل بالملك الأوحد ، المتفرد بالجلال والعظمة .

  فالسبيل إلى الهداية وطلب المعالي إنما يكون من طريق الرب تعالى ، وسعادة الدنيا ونعيم الآخرة لا يُنال إلا بإذن المتفرد بالملكوت الدائم .

 ومتى برُد يقين العبد بهذه المعاني الفاضلة نفض يديه من كل ضعيف مثله ، وكلّ محتاج وفقير من البشر .

 وفي الآية الثانية أوضح دلالة وأقوى إشارة بأنّ كل مُلْك أو سلطة أو زعامة في هذه الدنيا ، إنما هي خاضعة لملك الله العظيم وسلطانه القديم ، ووجهه الكريم ، فله الأخرى بسعتها والأولى برمتها .

 ومتى أدرك العبد هذه الحقيقة هان في عينيه كل جبار, وصغر في ناظريه كلّ طاغوت ، وعلم أنّ ممالكهم وزعاماتهم موقوتة بزمن يسير  ودهر قصير ، وأنها موروثة لله  بعز عزيز أو بذل ذليل .

  ( فَأَنذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّى * لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى * الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى )

  وهذه الآيات الكريمات يلوح من خلالهن الإنذار الصريح والترهيب الغليظ لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد .

  إنذار واضح لكل هاتيك الجموع السادرة في غيها ، التائهة في سعيها من مغبة المصير المخيف في نار تلظى ، وتلهّب ، تحرق كلّ شيء وتتلفه . 

  إنّ أحداً لا يطيق شرارة لهب عابرة من نار الدنيا الضعيفة قياساً على نار الآخرة فكيف يطيق ناراً أعدت للكافرين المجرمين  ، فائقة نارنا التي نعرف  بتسعة وستين جزءً كما صح بذلك الحديث ؟!

 فهل استفاد الناس من هذا الإنذار المشفق ، وتجنبوا أسباب الهلاك والعطب ؟!

 تجيبك أيها القارئ تلك الملايين من اليهود والنصارى والمشركين والقبوريين ، والملاحدة والعلمانيين ؟!

 فضلاً عن عصاة الموحدين الراكضين خلف ملذاتهم وشهواتهم وحظوظهم العاجلة .

 وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى{17} الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى{18} وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى{19} إِلَّا ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى{20} وَلَسَوْفَ يَرْضَى{21}

وتلك النار الرهيبة ستكون مجانبة – بفضل الله ورحمته – لكل تقي جواد مخلص وسمات هذا الفريق الفائز الرابح  بزحزحته عن النار وإدخاله الجنة واضحة يسيرة على من يسرها الله عليه .

 أولاها : بذله ماله في كل وجوه البر والصدقة تزكية لنفسه وارتقاءً بها عن الشح والأَثرة .

وثانيها : نفضه يديه من ثناء الناس أو مكافئتهم المعنوية أو الحسية .

 وفي صريح هذه الآيات ما يؤكد ما عرَجنا عليه قبل قليل من لزوم الإخلاص قصداً , والمتابعة أداءً وفعلاً  في كل ما يُعتقد ويُعمل ويُقال تديناً!

 وحين يُعلّق المسلم قلبه بالعلي الأعلى ، ويطلب وجهه الكريم بصدق وإخلاص فسيزهد لا محالة بكل عرض زائل ، ونعيم حائل وسيصغر في عينيه وناظريه كلُّ مخلوق مهما طغى وتجبر وحينها يتحقق له موعود الله بالرضا التام في مقعد صدق عند مليك مقتدر .

 فوائد السورة :

1-    أنّ لله أن يقسم بما شاء من مخلوقاته .

2-    التذكير بعظيم صنع الله وتدبيره ، وجليل قدرته وتصرفه حيث راوح بين الليل والنهار بإتقان بالغ وتدبير محكم .

3-    التنويه بنعمتي الليل والنهار ففي الأولى السكن والراحة ، وفي الثانية طلب المعاش والضرب في الأرض .

4-    التنويه بنعمة التنويع في جنس الذكور والإناث لتتم عمارة الأرض ، وتتحقق مصلحة بقاء النوع الإنساني .

5-  تشتت مساع الناس ، واختلاف مشاربهم وتباين أهدافهم وغاياتهم : ( وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ   )هود( 118) .

6-     إثبات القدر ومنه الأخذ بالأسباب الموصلة إلى رضا الله تعالى وبحبوحة الجنة.

7-  الردّ على القدرية النفاة ، والجبرية الحمقى حيث زعم الأولون بأنه لا قدر وأنهم فاعلون لأفعالهم خلقاً وإيجاداً ، وخرص الآخرون بأنهم مجبورون على أفعالهم كتحرك نائم وميلان شجرة !

8-    الترغيب في المبادرة إلى الخيرات والمسابقة في الطاعات مع ملازمة التقوى ونشدان الإخلاص .

9-    لزوم الإيمان بالجنّة والنار ، والثواب والعقاب وهو فرع عن الإيمان بالمعاد واليوم الآخر .

10-                     لا غنى للعبد عن تيسير الله ودوام إعانته وتوفيقه .

11-                    سوء عاقبة البخل بكل أنواعه ، وخطر العجب والغرور ، ووخيم عاقبة التكذيب والإعراض .

12-                    التأكيد بعدم انتفاع المكذب بدنانيره ، ودراهمه ورياسته وجاهه إن مات على كفره وظلمه .

13-                    إنّ الهداية بنوعيها : الدلالة والإرشاد والتوفيق والإلهام في يد الله تعالى.

14-                     أن الله تعالى هو المالك الحقيقي للدنيا والآخرة والعاجلة والباقية .

15-                    التحذير من جنهم بذكر شيء من أوصافها وهي التلظي والتلهب .

16-        أنّ الصلي التام بجهنم والخلود الأبدي فيها إنما هو خاص بالمشركين والكفرة مع أنه قد دلّ الكتاب والسُنّة والإجماع – كما نقله ابن تيمية – على دخول طائفة من عصاة الموحدين تلك النار عياذاً بالله .

17-                    أنّ الله تعالى تكفل برحمته تجنيب من شاء من الموحدين دخول النار ابتداءً .

18-                    التنويه بفضل إنفاق المال تزكية للمال وإصلاحاً للقلب وتنقية له من أدران الدنيا وأطماعها .

19-                    التأكيد على وجوب الإخلاص في كل ما يأتي المسلم ويذر من الأعمال والأقوال .

20-                    البشارة لكل موحد مخلص بنيل رضا الله ونيل ما يرضيه ، وتلك أسمى الأماني وأرقى الغايات .

 

التعليقات المنشورة في الموقع تعبر عن آراء أصحابها فقط، ولا تتحمل شبكة نور الإسلام أي مسؤولية عنها ولا تتبناها بالضرورة.

«««« لقراءة شروط نشر التعليق الرجاء الضغط هنا »»»»

شروط نشر التعليق

- أن يكون حول الموضوع وليس خارجه.
- الالتزام بأدب الرد والنصح والبيان.
- اجتناب ألفاظ السوء.
- ونأسف على حذف كل تعليق لا يلتزم بالشروط أعلاه.

 

كتابة تعليق
الاسم:
العنوان:
تأثير نصي:صفحة انترنتبريد الكترونيخط عريضخط مائلنص تحته خطاقتباسكودفتح قائمةعناصر القائمةإغلاق القائمة
التعليق:

طباعة 754  زائر ارسال