الوهابية في مواجهة الغلاة         نبذة تاريخية عن نجد خلال القرون الثلاثة السابقة للدعوة الإصلاحية         نظرات في كتاب: الحياة العلمية في وسط الجزيرة العربية         سبعون فكرة بحثية في العقيدة وغيرها         لا عدوى ولا صفر         أيها الشاب ..تأمل هذه المكاسب !         20 خطوة عمليه لعلاج الغضب          أحكام المسح على الخفين والعمامه والخمار الجبيرة          أحب الأعمال إلى الله          باب التوبة مفتوح          كيف تقاوم شهوتك!         استعداد مدارس واحة الرواد للعام الدراسي الجديد 1435- 1436هـ         خدمة الواتس اب          صيحة نذير ..         ألا إن نصر الله قريب           من أشراط الساعة الفتن في هذا الزمان          حوار مع فضيلة الشيخ الهبدان         رسالتي لعبدالعزيز الريس         الفيلم الكرتوني (99) حربا على الاديان          تغريدات د. محمد الهبدان حول #ضوابط_التعامل_وقت_الفتن               الوهابية في مواجهة الغلاة           نبذة تاريخية عن نجد خلال القرون الثلاثة السابقة للدعوة الإصلاحية           نظرات في كتاب: الحياة العلمية في وسط الجزيرة العربية           سبعون فكرة بحثية في العقيدة وغيرها           لا عدوى ولا صفر           أيها الشاب ..تأمل هذه المكاسب !           20 خطوة عمليه لعلاج الغضب            أحكام المسح على الخفين والعمامه والخمار الجبيرة            أحب الأعمال إلى الله            باب التوبة مفتوح            كيف تقاوم شهوتك!           استعداد مدارس واحة الرواد للعام الدراسي الجديد 1435- 1436هـ           خدمة الواتس اب            صيحة نذير ..           ألا إن نصر الله قريب             من أشراط الساعة الفتن في هذا الزمان            حوار مع فضيلة الشيخ الهبدان           رسالتي لعبدالعزيز الريس           الفيلم الكرتوني (99) حربا على الاديان            تغريدات د. محمد الهبدان حول #ضوابط_التعامل_وقت_الفتن  
جديد الموقع
التاريخ :21/1/1437 هـ بحوث ودراســات د.عبد الرحمن بن صالح المحمود
المحبة في الله

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

تكمن أهمية الموضوع من خلال الأمرين التاليين:

الأول: حاجة المؤمنين جميعاً إليه في كل وقت، فكل مؤمن محتاج إلى إخوانه المؤمنين، فإذا تحققت المحبة بينهم والألفة تحولت حياتهم بعون الله وتوفيقه إلى حياة إخاء ومودة، ومن ثم إلى حياة إنتاج وعمل بما يرضي الله تبارك وتعالى، وكل إنسان يشعر بهذه الحاجة الماسة في نفسه، ومن تأمل حياة كل واحد منا وجد أنه لا يستطيع أن يعيش إلا بحب وبغض، ولن تستقيم حياته إلا بأن يكون حبه في الله وبغضه في الله؛ أعني الاستقامة الصحيحة التي تثمر في الدنيا وفي الآخرة يوم الوقوف بين يدي الله تبارك وتعالى.

 الثاني: الخلل الواقع في هذا الباب في زمننا هذا، فإن مما يُلاحظ أن كثيراً من الناس في هذه الأيام اختلط عليهم ميزان الحب في الله والبغض فيه، وهذا الاختلاط نشأ بالنسبة لهم لأسباب عديدة، لكنه أدى إلى ثمرتين غير حميدتين:

 إحداهما: اختلال هذا الميزان بين المؤمنين، فأصبحت محبة الناس وموالاتهم ليست في الله وإنما في الدنيا ولأسباب الدنيا.

الثانية: اختلال الموازين فيما بينهم وبين أعداء الله تبارك وتعالى، فأصبح بعض الناس ربما يعادي المؤمنين ويوالي أعداء الله تبارك وتعالى، وهذا الخلل في هذه الموازين الواقع في زمننا المتأخر مما يحتاج إلى معالجة قوية تربوية يقوم بها الجميع، بدءاً من الإنسان نفسه فيما بينه وبين ربه، إلى أسرته، إلى جماعات المساجد أو العمل أو غير ذلك، إلى المؤمنين جميعاً؛ ليقوم كل بدوره في رأب هذا الخلل الذي وقع فيه كثير من الناس.

حقيقة المحبة في الله والفرق بينها وبين الحب مع الله:

هذا الموضوع له قسمان كبيران، وذلك لأهميته:

أحدهما: مقدمات وقواعد لبيان علاقة هذا الموضوع بالمحبة في الله، والفرق بين الحب في الله والحب مع الله، فإن هذه المسائل مما تختلط فيها الفهوم أحياناً.

الثاني: الكلام عن المحبة في الله وأهميتها وآثارها وأسبابها.

إن تعريف المحبة لمن أراد أن يعرفها ليس له أدق من تعريف المحبة ذاته!

قال العلماء: إن هناك بعض الأمور التي صارت واضحة عند الناس، بحيث إنك لو عرّفتها بأي تعريف لا يدل عليها كما تدل عليها نفس اللفظة، مثل تعريف العلم، فلو قيل لك: عرف العلم، فسيقول قائل: العلم ضد الجهل، العلم معرفة الشيء على ما هو عليه، إلى غير ذلك من التعريفات.. ولكن في النهاية ينتهي الإنسان إلى أن أحسن تعريف للعلم: هو العلم، وكذلك أيضاً بالنسبة للمحبة، فمهما عرّفناها بميل القلب طبعاً أو إرادة، أو بغير ذلك من التعريفات، فليس هناك أدق من تعريفها بالمحبة؛ لأن هذا المعنى قد سرى في الناس وعلموه وعرفوه لغة وطبعاً في نفوسهم وقلوبهم، فأصبح مما لا يحتاج إلى تعريف .

الفرق بين محبة الله ومحبة غيره :

إن هذا الموضوع كثيراً ما يختلط الأمر فيه على بعض الناس، فالمحبة من أسس العبادة التي يجب صرفها لله تعالى، والرسول صلى الله عليه وسلم يجب تقديم محبته على النفس والولد والوالد والناس أجمعين، وحب المؤمنين في الله وبغض الكافرين في الله من أوثق عرى الإيمان, والواجب أيضاً على الجميع أن يحبوا الطاعات التي أمر الله بها، وأن يبغضوا المعاصي الذي نهى الله تبارك وتعالى عنها. فما الفرق بين هذه الأنواع؟ وكيف تكون العلاقة فيما بينها؟

إن ذلك يتبين من خلال الحديث عن القضايا التالية:

أولاً: ينبغي أن يعلم الجميع أن محبة الله تعالى هي الأساس التي تقوم عليها العبادة، وذلك مع الخوف والرجاء وبقية أنواع العبادة، وتحقيق لا إله إلا الله لا يتم إلا مع كمال الحب لله وكمال الذل له تعالى، ثم ينتج عن ذلك كمال الطاعة له تبارك وتعالى.

 وحقيقة الحنيفية التي هي ملة إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: أن تخلص حبك لله تعالى بكل قلبك وقصدك، وأن توحد محبوبك في هذا الحب، بحيث لا يبقى في قلبك بقية حب إلا وتبذلها فيه، وإذا تم هذا الأمر تم الأمر الثاني من مقتضيات تحقيق التوحيد والملة الحنيفية، ألا وهو الكفر بالطاغوت والبراءة منه.

ولهذا يقول ابن القيم رحمه الله تعالى في إغاثة اللهفان: وإذا لم يكن الله وحده غاية مراد العبد ونهاية مقصوده، وهو المحبوب المراد له بالذات والقصد الأول، وكل ما سواه فإنما يحبه ويريده ويطلبه تبعاً لأجله، لم يكن قد حقق شهادة أن لا إله إلا الله، وكان فيه من النقص والعيب والشرك بقدره. وهذا أمر واضح وهي علاقة المحبة بكمال الذل والطاعة، وستأتي الإشارة إليها إن شاء الله تعالى، لكن كلما عظمت محبتك لربك وإخلاصك لتلك المحبة له تعالى؛ تبين هذا بعظيم ذُلّك لربك تبارك وتعالى وطاعتك له وامتثالك لأوامره واجتنابك لنواهيه. ثم ينبغي أن يعلم أيضاً أن محبة الرب تختص وتتميز عن غيرها في قدرها وصفتها وإفراده تعالى بها، وليس هناك شيء يحب لذاته من كل وجه إلا الله وحده، الذي لا تصلح الألوهية والعبودية والذل والخضوع والمحبة التامة إلا له سبحانه وتعالى، قال الله تبارك وتعالى: لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا [الأنبياء:22]، والإله هو المألوه المحبوب المعبود. ثم ينبغي أن يعلم أيضاً أن الإنسان له قلب واحد، كما قال الله تعالى: مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ [الأحزاب:4]، فإذا امتلأ هذا القلب بحب الله تعالى وإرادته وحده، لم يبق فيه مكان لحب من سواه، قال الله تبارك وتعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ [البقرة:165]، وكلما تمكن هذا الحب في قلب المؤمن لربه تعالى خرج منه الحب والتأله لما سواه، وهذا مشاهد، فإن من تعلق قلبه بغير الله وصار محباً له عابداً له مطيعاً له؛ لا يمكن أن يكون في قلبه حب لله تبارك وتعالى ولا طاعة، وكلما نقص هذا نقص من ذاك، .. لكن ينبغي أن يعلم الجميع أن مسألة كون القلب واحداً، فإنه لا يمكن أن يكون فيه ما يملأ اثنين، وإنما يكون بالنسبة لعبادة الله وحده لا شريك له، وما تقتضيه هذه العبادة من المحبة الخالصة له وكمال الطاعة، فكل من يحب أو يطيع غير الله تبارك وتعالى فإنما تكون محبته وطاعته لأمر آخر كما سيأتي ، ومِن ثم فإن أكبر ما يميز الفرق بين حب الله وحب غيره، وبين منزلة إفراد المحبة لله تعالى وكونها من أكبر وأعظم قواعد الدين: هو التفريق بين الحب في الله والحب مع الله.

الفرق بين الحب في الله والحب مع الله:

هذه قاعدة مهمة لابد من إدراكها وفهمها؛ حتى نميز هذه القضايا التي نتحدث عنها.

فالحب في الله هو كمال الإيمان، والحب مع الله هو عين الشرك، والفرق بينهما كما يقول ابن القيم رحمه الله تعالى في كتاب (الروح): ((إن الحب في الله تابع لمحبة الله، فإذا تمكنت محبته من قلب العبد أوجبت تلك المحبة أن يحب ما يحبه الله، فإذا أحب ما أحبه ربه ووليه كان ذلك الحب له وفيه، كما يحب رسله وأنبياءه وملائكته وأولياءه لكونه تعالى يحبهم، ويبغض من يبغضهم لكونه تعالى يبغضهم، وعلامة هذا الحب والبغض في الله ألا ينقلب بغضه لبغيض الله حباً؛ لإحسانه إليه وخدمته له وقضاء حوائجه، ولا ينقلب حبه لحبيب الله بغضاً إذا وصل إليه من جهته ما يكرهه ويؤلمه، إما خطأ وإما عمداً، مطيعاً لله فيه، أو متأولاً، أو مجتهداً، أو باغياً نازعاً تائباً)).

وهذا الذي ذكره ابن القيم رحمه الله تعالى مهم جداً، فإن بعض الناس قد يكون عنده حب في الله، لكن سرعان ما ينتكس هذا الحب في الله إذا وجد ممن يحبه ما يكرهه، وأحياناً يكون ذلك لأمر شرعي، مثل أن يأمره بمعروف أو ينهاه عن منكر أو نحو ذلك، وكذلك أيضاًً العكس؛ فإن بعض الناس قد يبغض في الله لكن سرعان ما ينتهي هذا البغض إذا أحسن إليه ذلك المبغض، وهذا هو أساس مشكلة الحب في الله والبغض فيه في زماننا الحاضر، فإن انتكاس الموازين في هذه المسألة إنما ينشأ من الإحسان أو أنواع من العداوة الدنيوية.

فالكافر إذا أحسن إلى بعض الناس ربما انتقل بغضه له وكرهه له إلى محبة، وكذلك أيضاً المؤمن الصادق إذا بدرت منه لأخيه بادرة يكرهها فلربما انتقل في حبه إلى بغض، وهكذا تنتكس الموازين في هذه المسألة العقدية العظيمة ولا حول ولا قوة إلا بالله.

 ثم ينبغي أن نعلم جميعاً ونحن نفرق بين الحب في الله والحب مع الله، أن الحب في الله تابع لحب الله، فالإنسان يحب الرسول صلى الله عليه وسلم، ويحب المؤمنين، ويحب الطاعات؛ لأن الله تبارك وتعالى يحب هذه الأشياء جميعاً.

أنواع الحب مع الله

أما الحب مع الله فينبغي أن يعلم أنه نوعان كما يذكر ابن القيم رحمه الله تعالى:

النوع الأول: محبة الأنداد مع الله :

هذا نوع يقدح في أصل التوحيد، وهو شرك، وهذا كمحبة المشركين لأوثانهم وأندادهم، قال تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ [البقرة:165]، فهؤلاء المشركون يحبون أوثانهم وأصنامهم مع الله كما يحبون الله، فهذه محبة تأله وموالاة يتبعها الخوف والرجاء والعبادة والدعاء، وهذه المحبة هي محض الشرك الذي لا يغفره الله، ولا يتم الإيمان إلا بمعاداة هذه الأنداد وشدة بغضها وبغض أهلها ومعاداتهم ومحاربتهم، وبذلك أرسل الله جميع رسله وأنزل جميع كتبه، كما نعلم ذلك جميعاً: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل:36]، فكل رسول إنما بعث بالإيمان بالله، وبالكفر بالطواغيت وبغضها ومعاداتها ومحاربتها ومحاربة أهلها.

النوع الثاني: محبة النساء والبنيين والذهب وغير ذلك:

هذا نوع يقدح في كمال الإخلاص ومحبة الله، ولا يخرج من الإسلام، وذلك مثل محبة ما زينه الله للنفوس من النساء والبنين والذهب والفضة والخيل والمسومة والأنعام والحرث، فيحبها الإنسان محبة شهوة، كمحبة الجائع للطعام والظمآن للماء ونحو ذلك.

حتى نفرق بين الحب في الله وبين المحبة مع الله في هذا النوع الثاني فإنه ينقسم إلى ثلاثة أقسام:

القسم الأول: أن يحبها لله، أي: أن يحب المال والنساء ونحو ذلك لله، توصلاً بها إليه، واستعانة على مرضاته وطاعته، فهذه يثاب عليها، وهي من قسم الحب لله، ولذا يثاب عليها ويلتذ بالتمتع بها، وهذه حال أكمل الخلق الذي حبب الله إليه من الدنيا النساء والطيب وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما ذكر ذلك في الحديث الصحيح، وكانت محبته لها عوناً له على محبة الله وتبليغ رسالته والقيام بأمره، وهذا يدخل فيه ما يشبهه، مثل:

محبة النكاح لمن أراد العفاف، ومثل أن يأكل الإنسان الأكلة يتقوى بها على طاعة الله، ومثل أن ينام النومة ليستعين بها على الصلاة وعلى عبادة الله في الليل، وغير ذلك من الأمور، فتتحول هذه الأمور المحببة إلى النفس إلى نوع عبادة وطاعة؛ لأنها تؤدي إلى ما يحبه الله تبارك وتعالى ويرضاه.

القسم الثاني: أن يحب هذه الأمور لموافقة طبعه وهواه وإرادته، ولكنه لم يؤثرها على ما يحبه الله ويرضاه، بل نالها بحكم النيل الطبيعي، فهذه تكون من قسم المباحات ولا يعاقب عليها، ولكن ينقص من كمال محبته لله والمحبة فيه بمقدار ما يغلو في هذه الأمور، أي: أنه إذا زاد فيها عن الأمر المعتاد فلربما ينقص حبه لله أو محبته في الله بقدر غلوه وزيادته في تلك الأمور، وهذا مشاهد، فإن من تعلق بالدنيا أو تعلق بالنساء فلابد أن ينقص من محبته لله والمحبة في الله بمقدار ما زاد من ذلك التعلق.

القسم الثالث: أن تكون هذه الأمور التي ذكرناها آنفاً هي مقصوده ومراده وسعيه في تحصيلها والظفر بها، وقدمها على ما يحبه الله ويرضاه، ففي هذه الحالة تكون له حالتان:

الأولى: أن يقدمها على ما يحبه الله في أصول الدين وأصول العبادة، مثل أن يقدم المال على عبادة الله، أو يقدم محبته للنساء على عبادته لله تبارك وتعالى مثل الصلاة ونحوها، فهذه قد تذهب بأصل دينه.

الثانية: أن يقدمها بحيث تؤثر على عباداته لله، لكن لا يقدمها بالكلية، مثل أن تشغله دنياه عن المحافظة على الصلاة في أوقاتها أو نحو ذلك من العبادات، ففي هذه الحالة يتحول صاحبها إلى أن يكون ظالماً لنفسه مقصراً عاصياً، ولكنها لا تخرجه عن دائرة الإيمان.

 

مستلزمات المحبة في الله :

إن المحبة في الله تستلزم ثلاثة أمور:

أولها: محبة الله تبارك وتعالى، وهذه قضية قد لا ينتبه لها البعض، فإن بين المحبة في الله والمحبة لله تلازماً، فمن أحب في الله فلابد أن يكون قبل ذلك محباً لله تبارك وتعالى وإلا كانت محبته في الله كاذبة.

الثاني: المحبة في الله ولله تبارك وتعالى. الثالث: محبة ما يعين على طاعة الله تعالى، ومحبة الله ومحبة ما يحبه الله من الطاعات والأولياء من المرسلين والمؤمنين. هذه الأمور كلها متلازمة، فإن من أحب الله تعالى أحب أحباءه ووالاهم، وأبغض أعداءه وعاداهم، وقد اجتمعت هذه الأمور في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري وغيره يقول الرسول الله صلى الله عليه وسلم: (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار).

وتأملوا التلازم بين هذه الأمور:

 محبة الله ورسوله، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، ثم أن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يلقى في النار، ولما كان الأمر كذلك كان أعظم ما تجب محبته في الله هم الأنبياء والرسل، وأعظم الرسل بالنسبة لنا ممن تجب محبته نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ثم يأتي بعد ذلك بقية الأنبياء والرسل والمؤمنين جميعا .

أسس الحب في الله وما يتعلق بها :

ننتقل بعد هذه المقدمات والقواعد إلى بيان ما يتعلق بالحب في الله أو المحبة في الله، فنقول:

أولاً: ينبغي أن نعلم أن المحبة في الله تشمل أساسين كبيرين:

 أحدهما: محبته صلى الله عليه وسلم.

والثاني: محبة المؤمنين جميعاً، ويتعلق ويرتبط بذلك محبة ما أمر الله به وأمر به رسوله صلى الله عليه وسلم، وهذه القضية لابد من بيانها وذلك من خلال ما يلي:

الأساس الأول: محبة الرسول صلى الله عليه وسلم ولوازمها:

محبة الرسول صلى الله عليه وسلم هي من أعظم أنواع المحبة في الله، وقد فرض الله على العباد جميعاً محبته صلى الله عليه وسلم وطاعته، قال تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ [آل عمران:31]، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين)، فمحبة الرسول صلى الله عليه وسلم تابعة لمحبة الله؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم هو رسول الله، وله من الحقوق والواجبات ما هي معلومة لدينا جميعاً، ولأن محبته صلى الله عليه وسلم متميزة عن محبة بقية المؤمنين؛ ومن ثم وجب تقديم هذه المحبة على النفس وعلى الولد والوالد وعلى الناس أجمعين.

ومحبة الرسول صلى الله عليه وسلم لها علامات ولها لوازم:

أولها: طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، وتقديم طاعته على طاعة غيره.

ثانيها: وجوب توقيره واحترامه صلى الله عليه وآله وسلم.

ثالثها: محبته صلى الله عليه وسلم محبة تقتضي حبه، وحب سنته، وحب سيرته، وحب أن يكون المؤمن ممن يحشر معه يوم القيامة، وأن يكون ممن يشرب من حوضه، وأن يكون معه صلى الله عليه وسلم في الجنة.

ولمحبة الرسول الله صلى الله عليه وسلم مقتضيات ولوازم كثيرة أعرضتُ عنها؛ لأن حديثنا هو عن الحب في الله وهو أشمل من ذلك، وقد أُلفت في ذلك كتب تبين مقتضيات محبة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.

وأشير إلى أن محبة الرسول صلى الله عليه وسلم لها آثار قلبية وعملية في حياة الإنسان، ونقص هذه المحبة تظهر آثاره وعلاماته من خلال أعمال قلب العبد، وأعمال جوارحه في الحياة.

والسؤال: هل محبة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم هي في قلوب الناس كما ينبغي وكما أوجب الله تبارك وتعالى وبين الرسول صلى الله عليه وآله وسلم؟

الجواب: إن المتأمل في حال كثير من الناس اليوم يجد نقصاً شديداً في هذه المحبة للرسول صلى الله عليه وسلم، فكم من الناس من يقدم طاعة غيره على طاعته؟!

 وكم من الناس من يهتم بغيره من الناس، وقد يكون هذا الذي يهتم به من الكفار أو المشركين أو أهل البدع أو أهل الفجور أو غيرهم، ومع ذلك يهتم بهم أكثر مما يهتم برسول الله صلى الله عليه وسلم وسيرته وآدابه ونحو ذلك؟!

 وكم من الناس من إذا عرض عليه الأمر أو الخبر أو النهي من رسول الله صلى الله عليه وسلم حاكمه إلى عقله كما يحاكم كلام البشر، ولا يسلم الأمر لله ولا لرسوله صلى الله عليه وسلم! والله تبارك وتعالى يقول: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء:65].

ومن لم يستكمل محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم كما ينبغي فلابد أن يؤثر ذلك على محبته للمؤمنين جميعاً، وهذه قاعدة مهمةً، فكلما كملت المحبة لله وكملت المحبة للرسول صلى الله عليه وسلم بلوازمها وعلاماتها؛ فلابد أن يظهر أثر ذلك على محبة المؤمنين في الله تبارك وتعالى، وكلما نقصت تلك نقصت محبة المؤمنين في الله منها بقدر ذلك النقص.

الأساس الثاني: محبة المؤمنين في الله وآثارها ومميزاتها:

إن تتبع معالم الأخوة في الله بين المؤمنين وشروطها وموافقاتها مما تكاثرت فيه الأدلة من كتاب الله تعالى ومن سنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وسأشير إلى بعض هذه العلامات والمظاهر:

الأولى: التواد والتراحم والتعاطف بين المؤمنين:

إن أبرز مظهر وعلامة لذلك ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم واصفاً المؤمنين: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر)، وهذه علامة دائمة عظيمة تدل كيف يكون المؤمنون جميعاً في محبتهم، يكونون كما مثل لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كالجسد الواحد.

الثانية: البعد عن ظلم المؤمنين وخذلانهم وحسدهم:

وقد يقول قائل: إن هذه أمور عكسية، فنقول: نعم، إذا وجدت المحبة في الله أدت إلى أن الإنسان لا يحسد أخاه ولا يظلمه ولا يخذله، ومن ثم نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن هذه الصفات الذميمة في الأحاديث الصحيحة، كقوله: (لا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا ولا تناجشوا)، وقال صلى الله عليه وسلم في الحديث: (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يحقره ولا يخذله، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم)، ولهذا فمن وقع في شيء من هذه الأمور بالنسبة لإخوانه المؤمنين كيف يقال: إنه محب لهم؟! لو كان محباً لهم لتمنى لهم ما يتمناه لنفسه.

الثالثة: العفو عن زلات الأخ المؤمن:

إن العفو عن الأخ المؤمن وسد خلله ونقصه من علامات المحبة في الله، ولذا قال علي رضي الله عنه: (لا يكون الصديق صديقاً حتى يحفظ صديقه في غيبته وبعد وفاته). وقال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: من صدق في أخوة أخيه قَبِلَ علله، وسد خلله، وعفا عن زلـله. وهذه علامة مهمة جداً من علامات الحب في الله؛ لأن الإنسان إذا أحب أخاه في الله أحب له كل خير، ومن الخير أن تعفو عنه وتصفح عنه، ومن الخير أن تكمل النقص إذا وقع في خلل ونحوه.

الرابعة: الرفق بالمؤمنين:

إن الرفق بالمؤمنين وخاصة من ولاك الله أمرهم في أمر من الأمور من علامات المحبة في الله؛ لأن بعض الناس ربما يختل عنده الميزان، فإذا كان في غير موقع المسئولية فإنه قد يحقق الأخوة ويكون طيباً خلوقاً محباً للخير، لكن إذا كان في موقع المسئولية نسي هذا الأصل العظيم، وتحول إلى إنسان شديد يتعامل معهم أحياناً بنوع من القسوة والشدة والبغض، وهذا مما ينبغي أن ينتبه له الإنسان الذي يتولى أية مسئولية مهما كبرت أو صغرت، فليتأمل هذا الباب، فإن رسولنا صلى الله عليه وسلم وهو واجب الطاعة كان من أرفق الناس بالمؤمنين، وسنته وسيرته صلى الله عليه وسلم شاهدة بذلك، وكذلك كان أصحابه من بعده، انظروا إلى تاريخ أبي بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه، وكيف كان رفقه ورحمته بالمؤمنين جميعاً في أيام خلافته رضي الله عنه. وانظروا إلى سيرة عمر بن الخطاب، وانظروا إلى سير الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم جميعاً كيف كان الواحد منهم يرفق بالمؤمنين ويرحمهم. وهذا عمر بن عبدالعزيز رحمه الله تعالى، لما سأل في يوم من الأيام عن أحوال أحد الجيوش وقد رجع من الجهاد، فأخبروه أنه والحمد لله لم يقع في المؤمنين قتل، قال: هل مات أحد منهم؟ قالوا: لا، سوى رجل عثرت به دابته في الثلج فمات، فأمر عمررضي الله عنه وأرضاه قواد جيوشه ألا يذهبوا بالجيوش في أماكن الثلج وقت الشتاء رحمة بالمؤمنين. مع أن الجهاد في سبيل الله هو ذروة سنام الإسلام، لكن انظر كيف تكون المحبة والرأفة بالمؤمنين! وأحمد بن حنبل رحمه الله تعالى رأى صديقه هارون بن عبدالله الحمال في يوم من الأيام يحدث الناس وهو في الظل وهم في الشمس، فلما رآه أتى عليه في الليل وقرع عليه بابه، فلما خرج عليه قال له: ما الذي جاء بك يا أبا عبدالله؟ قال له: لقد مررت عليك وأنت تحدث الناس في الفيء وهم في الشمس، فلا تفعل مرة أخرى، إذا قعدت فاقعد معهم. فإذا كان هذا في حال من يعلم الناس ويربيهم ويروي لهم أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكيف بحال غيره؟! إن الإنسان ينبغي له أن يتذكر دائماً هذا الأمر العظيم، وهو أن يكون رفيقاً بالمؤمنين، وخاصة حينما يتولى مسئولية صغرت أو كبرت.

الخامسة : التزاور في الله:

إن التزاور في الله لا لشيء من عرض الدنيا من علامات المحبة في الله، ومعلومة قصة الذي زار أخاً له في الله فأرصد الله في طريقه ملكاً وسأله، فأخبره أن الله سبحانه وتعالى قد غفر له؛ لأنه ما ذهب وسافر إلا ليزور أخاه في الله لا لغيرها.

والنبي صلى الله عليه وسلم نهى عن التقاطع وعن التهاجر بغير سبب، وينبغي أن نعلم أن التزاور في الله له علامات، من أهمها:

 أن يكون هذا التزاور مؤدياً إلى التعاون على البر والتقوى، وأسباب النجاة، والتواصي بالحق، والتواصي بالصبر، وعمل الصالحات.

أما إذا كان التزاور لمؤانسة الطباع وشغل الأوقات ونحو ذلك، فقد لا يكون هذا التزاور تزاوراً في الله، فينبغي أن يلاحظ ذلك.

السادسة: التنفيس عن كربات المسلمين:

وهذه من علامات المحبة في الله ، فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث المشهور: (من نفس عن مسلم كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة)، واسمعوا لهذا الحديث الصحيح الذي يقول فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (أحب الناس إلى الله تعالى أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله عز وجل سرور تدخله على مسلم أو تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه ديناً، أو تطرد عنه جوعاً، ولأن أمشي مع أخ في حاجة أحب إلي من أن أعتكف في هذا المسجد شهراً -يعني: مسجده صلى الله عليه وسلم- ومن كف غضبه ستره الله، ومن كظم غيظه ولو شاء أن يمضيه أمضاه ملأ الله قلبه رجاءً يوم القيامة، ومن مشى مع أخيه في حاجة حتى تهيأ له أثبت الله قدمه يوم تزول الأقدام، وإن سوء الخلق يفسد العمل كما يفسد الخل العسل). وقصص السلف رحمهم الله تعالى في إيثارهم لإخوانهم وكشف كرباتهم معروفة مشهورة، فكم تقاسموا الأموال! وكم جرى بينهم ما جرى من الإيثار! وكل ذلك من تحقيق المحبة في الله رجاء لما عند الله تبارك وتعالى.  

 

 السابعة: الحرص على نصح المسلمين:

إن الحرص على نصح المسلمين من علامات المحبة في الله، ولذا يقول جرير بن عبدالله رضي الله عنه: (بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم)، والحديث في الصحيحين، وحديث تميم الداري الذي رواه مسلم: (الدين النصيحة. قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم)، فالنصح لعامة المؤمنين هو من هذا الباب.

ومن أعظم آفات الأخوة في الله وأعظم دليل على ضعف الحب في الله: ألا ينصح الأخ أخاه في معصية أو تقصير ونحوه، إما خجلاً منه، أو حذراً من أن يكدر عليه، أو خوفاً من أن يغضب عليه ويبغضه إذا نصح، وكان السلف رحمهم الله تعالى يقولون: رحم الله من أهدى إلينا عيوبنا.

إذاً: من العلامات الكبرى للحب في الله أن تحرص على أن تنصح أخاك، وألا تتساهل في هذا الأمر؛ لأن نصحك له في الدنيا بأسلوب طيب جداً له أثره العظيم فيما بينك وبينه، لا في العمل الصالح وإقلاعه عن خطئه ونحو ذلك فحسب، وإنما في المحبة بينكم، فكم من أخوين في الله ازدادت محبتهما في الله؛ لأن كل واحد منهما إذا رأى من أخيه خللاً أو تقصيراً أو عيباً نصحه، وبين له بأسلوب يدل على مدى الحب بينهما، فلنحرص على هذه الصفة، فإنها علامة من علامات الأخوة في الله والمحبة بين المؤمنين، أسأل الله تبارك وتعالى أن يجعلني وإياكم منهم.

الثامنة: محبة من أسدى المعروف والنصح:

إن هذه العلامة مما ينبغي أن ننتبه لها جميعاً وخاصة طلبة العلم، فإن الإنسان ينبغي له أن يخص من أسدى إليه نصحاً أو أفاده علماً أو توجيهاً أو غير ذلك بنوع محبة صادقة، والذي يحدث أحياناً أن يكون هناك نوع من التدابر أو التباغض؛ بسبب الحسد الذي يوقعه الشيطان بين طلبة العلم، بل أحياناً بين التلميذ والأستاذ، وهذا مما ينبغي أن يراعيه الجميع، فالأستاذ والمعلم ينبغي أن يحب تلاميذه، وإذا ما تفوق تلميذ من تلاميذه فعليه أن يفرح بذلك وألا يغضب؛ لأن له من الأجر مثل ذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (من دعا إلى هدى كان له مثل أجر من تبعه).

فإذا ما علم الأستاذ أن التلميذ هو حسنة من حسناته، وأن له بكل عمل يعمله هذا الإنسان أجراً عند الله سبحانه وتعالى، فإنه والحالة هذه لا يغضب، ولا يأتيه الشيطان ليكدر حاله، وإذا ما تفوق تلميذه فرح له كما يفرح الأب بتفوق ابنه عليه، وكذلك أيضاً بالنسبة للتلميذ مع أستاذه، فالواجب عليه أن يعلم أن أستاذه له فضل عليه، حتى لو لم يفده إلا بكلمة واحدة أو بفائدة واحدة فينبغي أن يحبه من أجل ذلك، وينبغي أن تجمع بين العالم وبين تلاميذه أخوة الإيمان والمحبة في الله رجاء ما عند الله سبحانه وتعالى.

وسوف أضرب مثالاً مما يقع بين الأستاذ والتلميذ من الاحترام والتقدير من سلفنا الصالح رحمهم الله تعالى: يقول أبو بكر بن العربي رحمه الله تعالى: أخبرني محمد بن قاسم العثماني غير مرة قال: وصلت الفسطاط -والفسطاط مدينة بمصر- فجئت مجلس أبي  الفضل الجوزي ، فكان مما قاله هذا العالم في درسه: إن النبي صلى الله عليه وسلم طلق وظاهر وآلى -أي: من نسائه-. قال: فلما خرج اتبعته حتى بلغ منزله في جماعة، فجلس معنا في الدهليز وعرفهم غيري؛ فإنه رأى شارة الغربة، فلما انفض عنه أكثرهم قال لي: أراك غريباً هل لك من كلام؟ قلت: نعم، قال لجلسائه: أفرجوا له عن كلامه، فقاموا، فقلت له: حضرت المجلس وسمعتك تقول: آلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصدقت، وتقول: وطلق، وصدقت، وتقول: وظاهر من نسائه، ولم يكن ذلك ممكناً، ولا يصح أن يكون؛ لأن الظهار منكر من القول وزور، وذلك لا يجوز أن يقع من النبي صلى الله عليه وسلم. يعني: أن الرسول صلى الله عليه وسلم ما ظاهر من نسائه، ولا قال لواحدة منهن: أنت علي كظهر أمي. فما الذي فعله هذا الأستاذ مع تلميذه؟ يقول محمد بن القاسم: فضمني إلى صدره وقبل رأسي وقال: أنا تائب من ذلك، جزاك الله من معلم خيراً، قال محمد بن القاسم: ثم انقلبت إليه في درس اليوم التالي، وبكرت إليه، فألفيته قد جلس على المنبر، فلما دخلت الجامع ورآني ناداني بأعلى صوت: مرحباً بمعلمي، افسحوا لمعلمي، قال: فتطاولت الأعناق إلي، وتحدقت الأبصار نحوي، وتعرقني جسمي -أي: أصابني عرق شديد من شدة الحياء- قال: وتبادر الناس إلي يرفعونني على الأيدي ويتدافعونني حتى بلغت المنبر، وأنا لعظيم الحياء لا أعلم في أي بقعة أنا، والجامع غاص بأهله، وأسال الحياء بدني عرقاً، وأقبل الشيخ على الحاضرين، وقال لهم: أنا معلمكم وهذا معلمي، لما كان بالأمس قلت لكم كذا وكذا، فما كان أحد منكم فقه عني ولا رد علي، فأتبعني هذا إلى منزلي وقال لي كذا وكذا. يقول محمد بن القاسم : وأعاد ما جرى بيني وبينه في مسألة الطلاق والظهار، وقال أمام الحضور: أنا تائب من قولي بالأمس، راجع عنه إلى الحق، فمن سمعه ممن حضر فلا يعود إليه، ومن غاب فليبلغه من حضر، فجزاه الله خيراً، وجعل يحتفل لي في الدعاء والخلق يؤمنون.

هذه العلاقة بين التلميذ والمفتي، علاقة تقوي الآصرة بينهما، علاقة عمادها الحب في الله، وعمادها محبة الحق والرجوع إليه، ولو جاء من أي شخص كان، فلا علو ولا ترفع ولا إنكار للحق لأنه جاء من فلان أو فلان، وإنما هو تواضع من الشيخ، وحسن أدب من التلميذ.

وهذا مما ينبغي أن ينتبه له طلبة العلم؛ لأن طلبة العلم والدعاة إلى الله تبارك وتعالى هم القدوة لغيرهم، فعليهم أن يكونوا فيما بينهم وبين الناس متحابين متآخين، إذا ذكر الواحد منهم أخاه ذكره بالخير، وإذا سمع طعناً في عرضه دافع عنه، وبهذا يتأثر بهم الناس؛ لأنهم قدوة لهم، والعكس بالعكس، فإذا رؤي منهم الحسد والكلام في بعضهم ونحو ذلك قال الآخرون من عامة الناس: إذا كان هذا العالم الفلاني، أو طالب العلم الفلاني يقدح ويشتم ويسب في أناس علماء أو فضلاء أو نحو ذلك، فنحن إذا صنعنا ذلك مع أمثالنا فلسنا بأقل منهم.

 ومن ثم فإن تحقيق الأخوة في الله مما ينبغي أن ينتبه له الجميع وخاصة طلبة العلم.

الأمور الجالبة للمحبة في الله تعالى:

قد يقول: ما الذي يجلب المحبة في الله؟

والجواب: إن الذي يجلب المحبة في الله أمور :

1) حب الله وحب كلامه ودينه :

إن على العبد أن يورث قلبه حب الله تعالى وحب كلامه وحب دين الإسلام، فإذا ما امتلأ القلب بهذا الحب أثر هذا على ما يتبعه من الحب لله والحب في الله.

2) حب الرسول صلى الله عليه وسلم وتوقيره وتعظيمه:

إن حب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتوقيره وتعظيمه له أثر عظيم في حياة المؤمن، فالمؤمن الحريص على السنة، الحريص على مدارسة سيرة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، المحب له المتبع له، هذا الحب ينتقل أثره إلى صاحبه؛ لأنه إذا ما علم أخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعاملته لأصحابه ولإخوانه وحبه الخير لأمته انتقل إليه ذلك، وهذا أثره ظاهر.

3) معرفة فضل الحب في الله وأجره:

إن من عرف فضل الحب في الله حرص عليه، ومن عرف أجر المتحابين في الله فلابد أن يصابر نفسه على ذلك، وأن يربي نفسه وقلبه على أن يكون قلبه محباً للمؤمنين.

4) سلامة الصدر

يقول الله عز وجل: يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء:88-89]، وسليم الصدر هو الذي يجعل القلب محباً لله؛ لأنه لا يحمل ضغناً لأحد. وتعلمون قصة الرجل الذي شهد له الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه من أهل الجنة ثلاث مرات، ثم لحق به عبدالله بن عمرو بن العاص لينظر في حاله، وبات عنده ثلاثة أيام، يقول: فلم أجد عنده مزيد صلاة ولا مزيد نوافل وعبادات، وإنما وجدت حاله مثل غيره، فسألته وقلت له: أنا بت عندك ثلاثة أيام لأجل أن أعرف السبب الذي من أجله قال فيك رسول الله عليه وآله وسلم: (يطلع عليكم رجل من أهل الجنة ..) فقال له هذا الرجل: ليس إلا ما رأيت، إلا أنني آوي إلى فراشي وأبيت وليس في قلبي غل أو حقد على أحد، فسليم القلب يحب المؤمنين ويحب الخير لهم، فاحرصوا أيها الإخوة على سلامة الصدور.

5) التواضع وعدم التكبر:

إن الكبر داء عضال يؤدي إلى الترفع على الناس، ومن ثم يؤدي لا محالة إلى بغضهم، ولذا قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم: (إن الله عز وجل أوحى إلي أن تواضعوا؛ حتى لا يفخر أحد على أحد).

 إن التواضع وعدم الكبر على الناس يجعل الإنسان في نظرته لإخوانه ولعيوبهم ومقارنتها بعيوب نفسه يجعله محباً للخير صادقاً.

أهمية البغض في الله ومدى ارتباطه بالحب في الله

هناك قضية ترتبط بالحب في الله لابد منها ألا وهي: البغض في الله.

وأهمية هذا الموضوع تكمن فيما إذا كان الحب في الله مرتبطاً بتوحيد العبادة، فإن البغض في الله مرتبط بالكفر بالطاغوت.

 وهنا تتبين أهمية هذين الأمرين: الحب في الله، والبغض في الله، وكل منهما مكمل للآخر، ولذا فكثيراً ما يقرن بينهما في الأدلة، مثل بعض الأحاديث الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم: (من أحب في الله وأبغض في الله ..وكذلك أيضاً باب الموالاة والمعاداة، فإن المؤمن يوالي المؤمنين وبالمقابل يعادي الكافرين، ولأجل هذا فإن الحب في الله ما يكمل إلا بالبغض في الله، والخلل في هذا يؤدي إلى الخلل في ذاك، فمثلاً: من اختل عنده ميزان البغض في الله، وصار يحب الكفار أحياناً، أو يحب الفجرة والفسقة ولا يبغضهم لفسقهم وفجورهم، أو يحب أهل البدع ولا يبغضهم لبدعهم، فلابد أن يؤثر هذا على حبه في الله، ولا يستقيم ميزان الحب في الله إلا باستقامة ميزان البغض في الله.

أقسام من يجب بغضهم في الله:

ينبغي أن نعلم جميعاً أن الذين يجب أن يبغضوا في الله قسمان:

 أحدهما: من يجب على العبد أن يبغضهم بغضاً تاماً، حتى ولو أحسنوا إليه أو أحسن إليهم لسبب من الأسباب، وهؤلاء يجمعهم الكفار من المشركين والملحدين، ومن اليهود والنصارى ومن المرتدين ومن المنافقين وغيرهم، فهؤلاء جميعاً يجب بغضهم بغضاً تاماً، ولا تجوز موادتهم ولا محبتهم؛ فإن الله تعالى يقول: لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ [المجادلة:22]، وهذا نفي عام يدل على أن المؤمن الصادق لا يكون في قلبه مودة لهؤلاء الكفار أبداً، ولو كان الكافر أباً أو أماً أو أخاً لك أو جاراً أو قريباً أو غير ذلك.

وهذا الأمر مما وقع الخلط فيه في أزمنتنا المتأخرة ولا حول ولا قوة إلا بالله، واختلت فيه بعض الموازين، حتى رأينا بعض الناس يحب الكفار لأسباب تافهة، فقد يحبهم لأجل الكرم، وقد يحبهم لأنهم نصروه في يوم من الأيام لأجل أهدافهم ومصالحهم، وهذا مما ينبغي أن ينتبه له الجميع، فإن الكفار تجب معاداتهم مهما كان بيننا وبينهم من مصالح، ومن حوار بين الأديان الذي يدعو إليه أعداء الله، وربما يخدع فيه من يخدع من المسلمين المغترين في هذا العصر الحديث، فإن اليهود والنصارى هم كفار، فكيف يأتي الإنسان ليجلس في حوار معهم؟! والحوار معناه أن نجعل الإسلام واليهودية المحرفة والنصرانية المحرفة على طبق واحد ننظر في فضائلهم جميعاً ونجتمع عليها! وأنى يكون لعباد عزير والصليب ولإخوان القردة والخنازير وللكفار بالله تبارك وتعالى محبة، ومن الجرأة أن يجعل المسلم هؤلاء الكفار مع أهل الإسلام الذي لا يقبل الله من أحد ديناً سواه.

ثانيهما: من يبغضون بغضاً ليس كاملاً، وهؤلاء هم المؤمنون الذين يقعون في فسق أو في بدعة غير مكفرة، فهؤلاء لهم محبة عامة؛ لأنهم مسلمون، ولكن يجب بغض ما عندهم من فسق أو بدع، وهذا أيضاً مما وقع فيه الخلل عند بعض الناس، فإنهم قد يحبون الفساق أو أهل البدع؛ نظراً لأنهم غير كفار، ونحن نقول:

 لابد من ميزان الحق في هذا.

فالواجب عليك أن تحبهم محبة عامة؛ لأنهم مسلمون مؤمنون بالله، لكن لا يجوز لك أن تحبهم محبة كاملة بحيث تجعلهم سواسية مع المؤمنين المتقين؛ بل يجب أن تبغض ما فيهم من فسق أو بدعة أو فجور، أن تبغض هذا في الله تبارك وتعالى.

وبتحقيق هذا الأصل – البغض في الله – يكتمل الأصل الأول الذي تحدثنا عنه سابقا، وهو الحب في الله.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

التعليقات المنشورة في الموقع تعبر عن آراء أصحابها فقط، ولا تتحمل شبكة نور الإسلام أي مسؤولية عنها ولا تتبناها بالضرورة.

«««« لقراءة شروط نشر التعليق الرجاء الضغط هنا »»»»

شروط نشر التعليق

- أن يكون حول الموضوع وليس خارجه.
- الالتزام بأدب الرد والنصح والبيان.
- اجتناب ألفاظ السوء.
- ونأسف على حذف كل تعليق لا يلتزم بالشروط أعلاه.

 

كتابة تعليق
الاسم:
العنوان:
تأثير نصي:صفحة انترنتبريد الكترونيخط عريضخط مائلنص تحته خطاقتباسكودفتح قائمةعناصر القائمةإغلاق القائمة
التعليق:

طباعة 1607  زائر ارسال