نبذة تاريخية عن نجد خلال القرون الثلاثة السابقة للدعوة الإصلاحية         نظرات في كتاب: الحياة العلمية في وسط الجزيرة العربية         سبعون فكرة بحثية في العقيدة وغيرها         لا عدوى ولا صفر         أيها الشاب ..تأمل هذه المكاسب !         20 خطوة عمليه لعلاج الغضب          أحكام المسح على الخفين والعمامه والخمار الجبيرة          أحب الأعمال إلى الله          باب التوبة مفتوح          كيف تقاوم شهوتك!         استعداد مدارس واحة الرواد للعام الدراسي الجديد 1435- 1436هـ         خدمة الواتس اب          صيحة نذير ..         ألا إن نصر الله قريب           من أشراط الساعة الفتن في هذا الزمان          حوار مع فضيلة الشيخ الهبدان         رسالتي لعبدالعزيز الريس         الفيلم الكرتوني (99) حربا على الاديان          تغريدات د. محمد الهبدان حول #ضوابط_التعامل_وقت_الفتن         البيان السديد في ابطال الإحتفال بالمولد النبوي                نبذة تاريخية عن نجد خلال القرون الثلاثة السابقة للدعوة الإصلاحية           نظرات في كتاب: الحياة العلمية في وسط الجزيرة العربية           سبعون فكرة بحثية في العقيدة وغيرها           لا عدوى ولا صفر           أيها الشاب ..تأمل هذه المكاسب !           20 خطوة عمليه لعلاج الغضب            أحكام المسح على الخفين والعمامه والخمار الجبيرة            أحب الأعمال إلى الله            باب التوبة مفتوح            كيف تقاوم شهوتك!           استعداد مدارس واحة الرواد للعام الدراسي الجديد 1435- 1436هـ           خدمة الواتس اب            صيحة نذير ..           ألا إن نصر الله قريب             من أشراط الساعة الفتن في هذا الزمان            حوار مع فضيلة الشيخ الهبدان           رسالتي لعبدالعزيز الريس           الفيلم الكرتوني (99) حربا على الاديان            تغريدات د. محمد الهبدان حول #ضوابط_التعامل_وقت_الفتن           البيان السديد في ابطال الإحتفال بالمولد النبوي   
جديد الموقع
التاريخ :11/2/1437 هـ بحوث ودراســات د. هاني بن عبد الله الجبير
توحيد الفتوى

المراد بتوحيد الفتوى

 

 

مقدمات وممهدات

 

 

حكم توحيد الفتوى

 

 

الواجب على المجتهد إذا ألزم توحيد الفتوى

 

 

الحل الشرعي للاختلاف والتساهل في الفتوى

 

 

 

 

 

مقدمة:

 

(إن فقهاء الإسلام، ومن دارت الفتيا على أقوامهم بين الأنام: الذين خُصّوا باستنباط الأحكام، وعُنُوا بضبط قواعد الحلال والحرام، فهم في الأرض بمنزلة النجوم في السماء، بهم يهتدي الحيران في الظلماء، وحاجة ناس إليهم أعظم من حاجتهم إلى الطعام والشراب) (1). فهم المبلغون عن الله – سبحانه وتعالى – مرادَه، ولذا لم يصلح لهذه المرتبة إلا أهل الصدق والعدالة، والعلم والدراية. (وأول من قام بهذا المنصب الشريف سيد المرسلين، وإمام المتقين، وخاتم النبيين، فكان يفتي عن الله بوحيه المبين، وكان كما قال له أحكم الحاكمين: "قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين" [ص: 86]، فكانت فتاويه صلى الله عليه وسلموقد أمر الله عباده بالرد إليهما حيث يقول : "فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلاً" [النساء: 59](2). ولذا نهى العلماء عن تقليدهم في فتاويهم، فهم بشرٌ غير معصومين، وقد يخطئون كغيرهم، وإن كانوا جبال علم وجَلال، بل ينهل الإنسان مما نهلوا، ويعرض فتاويهم على الكتاب والسنة، ولا يأخذ منها إلا ما وافقهما، فالحق أحق أن يتبع . وفي هذه الورقات القلائل لمحات حول مسألة تتكرّر الدعوة إليها، وهي توحيد الفتوى، بحيث يلتزم الناس آراء عالم أو جهة واحدة يعملون بها ولا يسمح لمن يخالف هذا الرأي إلا أن يفتي بموجبه ؛ لمنع اضطراب الرأي وحصول البلبلة بين الناس، أو لمنع التساهل في أحكام الشرع .

 

 

وهذه المقالة وإن كانت موجزة فإنّي أرجو أن تبرز بعض جوانب الحق فيها، وإنما الموفَّق من وفَّقه الله وعصمه، والله المستعان .

 

 

المراد بتوحيد الفتوى:

 

التوحيد: مصدرُ وَحَّد يوحَد . وهو جعل الشيء واحدًا(3). والفتوى في اللغة: البيان، ويقال لها: فُتْيا وفَتْوَى(4)، وتُطلق على الجواب عما يشكل(5). وفي قوله تعالى: "يا أيها الملأ أفتوني في رؤياي إن كنتم للرؤيا تعبرون" [ يوسف: 43]، أي: بينوا لي تعبيرها(6). وفي الاصطلاح هي: تبيين الحكم الشرعي، والإخبار به دون إلزام(7). بناء على ما سبق أنه: إلزام – أو التزام – المفتين الإخبار عن حكم المسائل الخلافية بقول واحد منها هو قول مفت أو جهة فتوى معينة في جميع المسائل الخلافية .

 

 

مقدمات وممهدات :

 

أولاً: المجتهد يصيب ويخطئ : أحد معين من المجتهدين . وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: " إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن اجتهد فأخطأ فله أجرُ واحد "(8). فهذا النص النبوي يقسم المجتهدين إلى مصيب ومخطئ(9).

 

 

وتفريعاً لهذه القاعدة قرر المحققون من أهل العلم المنع من التزام مذهب فقهي دون غيره، قال شيخ الإسلام ابن تيميه: (إذا نزلت بالمسلم نازلة فإنّه يستفتي من اعتقد أنه يفتيه بشرع الله ورسوله من أي مذهب كان، ولا يجب على أحد من المسلمين تقليد شخص بعينه من العلماء في كل ما يقول، ولا يجب على أحد من المسلمين التزام مذهب شخص معين غير الرسول صلى الله عليه وسلم في كل ما يوجبه ويخبر به، بل كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو فتح هذا الباب لوجب أن يعرض عن أمر الله ورسوله، ويبقى كل إمام في أتباعه بمنزلة النبي صلى الله عليه وسلم في أمته وهذا تبديل للدين) (10).

 

 

بل إن الأئمة الأربعة ورؤوس السلف الصالح نهوا الناس عن تقليدهم إلا فيما تبين وجه الحق فيه، ومنه قول أبي حنيفة: (لا يحل لأحد أن يأخذ بقولنا ما لم يعلم من أين أخذناه) (11).

 

 

وقول مالك بن أنس: (إنما أنا بشر أخطئ وأصيب، فانظروا في رأيي فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوه، وكل ما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه) (12).

 

 

وقول الشافعي: (إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولوا بسنة رسول الله، ودعوا ما قلت) (13).

 

 

وقول أحمد بن حنبل: (لا تقلدني ولا تقلد مالكًا ولا الشافعي ولا الأوزاعي ولا الثوري، وخذ من حيث أخذوا) (14).

 

 

والتطبيق العملي لذلك من تلامذة الأئمة ظاهر لمن درس اختياراتهم وآراءهم . قال الحجوي: (لا تجد أهل مذهب إلا وقد خرجوا عن مذهب إمامهم، إما إلى قول بعض أصحابه، وإما خارج المذهب ؛ إذ ما من إمام إلا وقد انتقد وانتقد عليه قول أو فعل خفي عليه في السنة أو أخطأ في الاستدلال فضعف مذهبه) (15).

 

 

ثانياً: هل يجوز للمقلد أن يفتي ؟ المقلد: هو من يأخذ قول غيره دون معرفة دليله .

 

 

وقد اختلف أهل العلم في حكم إفتاء المقلد(16)، على اعتبار أنه ناقل لفتوى من قَلّده، وذكر ابن القيم الخلاف، ثم قال: (والتحقيق أن هذا فيه تفصيل، فإن قال له السائل: أريد حكم الله – تعالى – في هذه المسألة، وأريد الحق فيما يخلصني ونحو ذلك، لم يسعه إلا أن يجتهد له في الحق، ولا يسعه أن يفتيه بمجرد تقليد غيره من غير معرفة أنه حق أو باطل، وإن قال له: أريد أن أعرف قول الإمام ومذهبه ساغ له الإخبار به ويكون ناقلاً له ويبقى الدرك(17) على السائل) (18). وقال ابن عبد البر: (قال أهل العلم والنظر: حدُّ العلم التبيين وإدراك المعلوم على ما هو فيه، فمن بان له الشيء فقد علمه، قالوا: والمقلد لا علم له، لم يختلفوا في ذلك) (19). وقال أيضاً: (ولم يختلف العلماء أن العامة عليها تقليد علمائها، وأنهم المرادون بقول الله - عز وجل -: "وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نُوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون" [النحل: 43], وأجمعوا أن الأعمى لا بد له من تقليد غيره ممن يثق به بتمييزه القبلة إذا أشكلت عليه، فكذلك من لا علم له ولا بصر, بمعنى ما يدين به لا بد له من تقليد عالمه، وكذلك لم يختلف العلماء أنّ العامة لا يجوز لها الفتيا, وذلك - والله أعلم - لجهلها بالمعاني التي منها يجوز التحليل والتحريم والقول في العلم) (20). ثم نُزل على فتيا العامي قول النبي صلى الله عليه وسلم: " من أُفتي بفتيا غير ثبت فإنما إثمها على من أفتاه "(21). وقد نقل ابن عابدين أنه قد استقر رأي الأصوليين على أن المفتي هو المجتهد(22)، ونقل الزركشي الإجماع على أنه لا يحل لمن جمع شيئاً من العلم أن يفتي(23). ولهذه القاعدة استثناء سيأتي.

 

 

ثالثاً: الاختلاف دون فُرقة غير مذموم: فهنا وصفان: الاختلاف، والافتراق، وهما خلافان لا يلزم وجود أحدهما حصول الآخر، فالافتراق وصف مذموم في الشرع، ولهذا نهى الله عنه نهياً مطلقاً فقال: "واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا " [آل عمران: 103 ] . وقال: "أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه" [الشورى:13]. أما الاختلاف فقد يكون رحمة، وأهله معذورون . قال ابن تيمية: (والنزاع في الأحكام قد يكون رحمة إذا لم يفض إلى شر عظيم من خفاء الحكم، ولهذا صنف رجل كتاباً سماه: كتاب الاختلاف، فقال أحمد: سمه كتاب السعة، وإن الحق في نفس الأمر واحد، وقد يكون من رحمة الله ببعض الناس خفاؤه لما في ظهوره من الشدة عليه) (24). وقد حصل الاختلاف في الاجتهاد الفقهي والتنزيل الواقعي للأحكام بين سلف هذه الأمة الذين هم أفضل قرونها – من الصحابة و التابعين – ولم يلزم منه افتراقهم، بل كانوا أهل مودة وتناصح، كما لم يكن سبباً للذم أو مدعاةً للتأثم ما دام هذا الخلاف في المسائل التي يسوغ فيها الاجتهاد وإبداء الرأي . قال ابن القيم: (وقوع الاختلاف بين الناس أمر ضروري لا بد منه ؛ لتفاوت إرادتهم وأفها مهم وقدرات إدراكهم، ولكن المذموم بغي بعضهم على بعض وعدوانه، وإلا إذا كان الاختلاف على وجه لا يؤدي إلى التباين والتحزب، وكل من المختلفين قصده طاعة الله ورسوله، لم يضر ذلك الاختلاف فإنه أمر لا بد منه في النشأة الإنسانية. ولكن إذا كان الأصل واحداً والغاية المطلوبة واحدة والطريق المسلوكة واحدة، لم يكد يقع اختلاف، وإن وقع كان اختلافاً لا يضر كما تقدم من اختلاف الصحابة ؛ فإن الأصل الذي بنوا عليه واحد وهو كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، والقصد واحد، وهو طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، والطريق واحد وهو النظر في أدلة القرآن والسنة وتقديمها على كل قول ورأي وقياس وذوق وسياسة) (25).

 

 

رابعاً: تاريخ فكرة توحيد الفتوى: أقدم ما يعرف من وجود لفكرة توحيد الفتوى ما يذكر في كتب التاريخ أن (هارون الرشيد) استشار (الإمام مالكًا) في أن يعلق الموطأ في الكعبة ويحمل الناس على ما فيه، فقال له: أما تعليق الموطأ فإن الصحابة اختلفوا في الفروع وتفرقوا، وكل عند نفسه مصيب(26) . وروي أنه قال: لا تفعل فإن الناس وما هم عليه(27). قال الشوكاني: (التقليد لم يحدث إلا بعد انقراض خير القرون ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم؛ وحدوث التمذهب بمذهب الأئمة الأربعة إنما كان بعد انقراض الأئمة الأربعة) (28).

 

 

ولا أعلم توحيدًا للفتيا خارجًا عن التمذهب بأحد المذاهب، وهو وإن لم يكن توحيدًا تامًا للفتوى إلا أنه من شاكلته الجزئية .ونجد هذا متمثلاً في قول من أوجب التزام أحد المذاهب الأربعة . حتى لما أراد بعض أهل اليابان عام 1357هـ الدخول في الإسلام قال لهم جمع من أهل الهند ينبغي أن يختاروا مذهب أبي حنيفة، وقال جمع من أهل أندونيسيا: يلزم أن يكون مذهبهم شافعيًا، فكان ذلك سدًا في سبيل إسلامهم(29). أما (محمد سعيد الباني) فقد دعا في كتابه (عمدة التحقيق في التقليد والتلفيق) الذي ألفه عام 1340هـ إلى: (وحدة المذاهب )،وفسره بأنه: الأخذ من كل مذهب بما كان دليله أقوى من كتاب وسنة، والأيسر من كل مذهب، والأقرب لروح الزمان ومقتضيات العمران، بشرط أن تتفق على كل ذلك كلمة علماء الشريعة بواسطة لجنة الشورى الشرعية، واقترح ترتيبها، وذلك بسبب تضارب الآراء والأقوال، مما يلبَس على العامّة، ويسبّب افتراقهم، مع جمود الفقهاء على نصوص كتب متبوعيهم، ومكافحتهم للعلوم الكونية، وأنّ كل ذلك هو أكبر أسباب تبلبل المسلمين وانحطاطهم(30). ومع ترتيبه لصفة عملهم واقتراحه لطريقة نشر آرائهم إلا أنّه لم يذكر كيف فيما لو اختلفوا في الاختيار والترجيح .وفي هذا الزمن وجدت دعوات لتوحيد الفتوى بالتزام واحد يتصرّف أعضاء اللجنة من أهل العلم ضبطًا للاختلاف ومنعًا من الفوضى ؛ بعضها من شخصيات إسلاميّة وبعضها قول من غيرها .

 

 

خامسًا: سبب نشوء التقليد المذهبي : إن المثال الجزئي لتوحيد الفتوى والمتمثل بإلزام الناس اتباع أحد المذاهب الأربعة الفقهية أمر عرض للمسلمين خلافاً لما كان عليه الحال في صدر الإسلام ؛ فقد كان الناس يتعلمون الأحكام الأساسيّة كالطهارة والصلاة من آبائهم ومعلميهم، فإذا وقعت لهم واقعة استفتوا فيها أي مفت وجدوا من غير تعيين حتى يستقل الواحد منهم بإدراك الأحكام ومعرفتها(31).

 

 

وبعد ظهور المدارس الفقهيّة الأربع لم يحتكر أحد الإفتاء فيها، بل كان في ذلك الزمن مجتهدون مستقلون ومدارس فقهيّة أخرى كمذهب الأوزاعي والليث بن سعد والطبري وغيرهم . بل وفي نفس المدارس الفقهيّة كان أكابر فقهائها مجتهدين في الحقيقة ؛ إذ إليهم يرجع تحرير المذهب وتقرير قواعده وتأصيله . ثم ظهرت بعد ذلك فكرة الإلزام بالتقيّد بأحد المذاهب . قال ابن خلدون: (ووقف التقليد في الأمصار عند هؤلاء الأربعة، ودرس المقلدون لمن سواهم، وسد الناس باب الخلاف وطرقه لَمّا كثر تشعّب الاصطلاحات في العلوم، ولما عاق عن الوصول إلى رتبة الاجتهاد، ولما خشي من إسناد ذلك إلى غير أهله، ومن لا يوثق برأيه ولا بدينه، فصرّحوا بالعجز والإعواز، وردوا الناس إلى تقليد هؤلاء، وحظروا أن يتداول تقليدهم لما فيه من التلاعب .. ومُدّعي الاجتهاد لهذا العهد مردود منكوص على عقبه مهجور تقليده) (32). ومع ذلك فقد وقف عدد من أهل العلم موقف المضاد لهذه الدعوة والمتنكر لها، من أبرزهم شيخ الإسلام ابن تيميّة، وتلميذه ابن القيّم . قال ابن القيم: (واختلفوا متى انسد باب الاجتهاد على أقوال كثيرة، ما أنزل الله بها من سلطان، وعند هؤلاء أن الأرض قد خلت من قائم لله بحجة، ولم يبق من يتكلّم بالعلم، ولم يحلّ لأحد بعدُ أن ينظر في كتاب الله ولا سنة رسوله صلى الله عليه وسلم لأخذ الأحكام منهما .. وهذه أقوال قد بلغت من الفساد والبطلان والتناقض والقول على الله بلا علم، وإبطال حججه والزهد في كتابه وسنة نبيه مبلَغَها، ويأبى الله إلا أن يتم نوره، ويصدق قول رسوله أنه لا تزال طائفة من أمته على محض الحق الذي بعثه به، وأنّه لا يزال يبعث على رأس كل مائة سنة لهذه الأمة من يجدد لها دينها) (33).

 

 

وشدد الشوكاني على الذين دعوا لهذه الفكرة، وقال في وصفهم: (إنهم أوجبوا على أنفسهم تقليد المعين واستروحوا إلى أن باب الاجتهاد قد انسد، وانقطع التفضل من الله على عباده، ولقنوا العوام – الذين هم مشاركون لهم في الجهل أنه لا اجتهاد بعد استقرار المذاهب، فضموا إلى بدعتهم بدعة، وسجلوا على أنفسهم الجهل، وكأن هذه الشريعة قد صارت منسوخة، والناسخ لها ما ابتدعوه من التقليد في دين الله) (34).

 

 

ومن حاول بحث أسباب التقليد فإنه قد يرجعها إلى جملة من الأمور التالية:

 

1- ادعاء الاجتهاد ممن لم يتأهل له، مع عدم وجود من يأخذ على يده من السلاطين، فدفع الناس إلى التزام فتاوى الأئمة السابقين احتياطاً للدين، وبعداً بالشريعة عن العبث والإفساد .

2- جور بعض القضاة، ومجون بعض الفقهاء مما دفع إلى الدعوة إلى الاقتصار على مذهب يلتزمه الإنسان ولا يخرج عنه لئلا يحصل منهم ريبة .

3- إنشاء المدارس والأوقاف المقصورة على أصحاب مذهب من المذاهب . 4- وكما كان للسلطان دوره في عدم منع المفتي غير المتأهل ؛ فكذلك كان له دوره في الحث على التزام مذهب معين بحصر الولايات في أتباعه أو الأرزاق في أصحابه(35).

ولا شك أن فكرة التزام أحد المذاهب حل بعضاً من هذه المشكلات، لكنه –كما تقدم – أوجد مشكلات أخرى من التعصب ووقوع الفتن بين أهل المذاهب، والإعراض عن الوحي، ووضع الأحاديث والانتصار للضعيف منها، وهجر أقوال كثيرة لفقهاء خارج هذه المذاهب قد تكون هي الحق، وسبب كل ذلك أن الناس يطمئنون إلى ما اعتادوه، وينفرون عما لا يعرفونه .

 

كما كان من آثاره جمود العقول وقصور الهمم حتى لم يجد الفقهاء حلاً لكثير من الوقائع والنوازل المستجدة على ساحاتهم، وصار عملهم حفظ مختصرات تذكر بالرأي المعتمد دون القدرة على فهم حكم لم يذكر، مع أن الشريعة اعتنت بالكليات التي يندرج تحتها ما لا حصر له من الجزئيات التي يمكن فهم حكمها منها .

 

 

حكم توحيد الفتوى:

 

 

لتبيين الحكم الشرعي لتوحيد الفتوى نحتاج إلى استعراض ثلاثة إجماعات توصلنا إلى معرفة الحكم، وهذه الإجماعات هي:

1- إجماع المسلمين على أن من استبان له وجه الحق فعليه أيفتي به ولا يخالفه . قال الشافعي: أجمع الناس على أن من استبانت له سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فليس له أن يدعها لقول أحد سواه . وقد نقل غير واحد الإجماع(36) عليه ؛ فليس لأحد أن يفتي بغير ما يعتقده صواباً . ونقل ابن عبد البر جُملاً كثيرة عن السلف في ذم التقليد، منها: قول ابن عباس – رضي الله عنهما -: (ويل للأتباع من عثرات العالم . قيل: كيف ذلك ؟ قال: يقول العالم شيئاً برأيه، ثم يجد من هو أعلم برسول الله صلى الله عليه وسلم منه فيترك قوله ذلك، ثم يمضي الأتباع) (37). وقول علي بن أبي طالب – رضي الله عنه -: (إياكم والاستنان بالرجال) (38). وقول ابن مسعود – رضي الله عنه -: (ألا لا يقلدن أحدكم دينه رجلاً) (39). وعن سفيان بن عيينة قال: (بكى ربيعة، فقيل له: ما يبكيك ؟ قال: رياء ظاهر، وشهوة خفية؛ والناس عند علمائهم كالصبيان في حجور أمهاتهم، ما نُهوا عنه انتهوا، وما أمروا به ائتمروا) (40).

 

ثم بعد ذلك تبين أن هذه النصوص لغير العامة ؛ فالعامة لا بد لها من تقليد علمائها ؛ لأنها لا تتبين موقع الحجة ولا تصل إليها .

2- الإجماع على أنه لا تثريب على من قال بقول قد سبق إليه في مسألة خلافية . قال الخطيب البغدادي: (إذا اختلف الصحابة في مسألة على قولين وانقرض العصر عليه، لم يجز للتابعين أن يتفقوا على أحد القولين ؛ فإن فعلوا:يزل خلاف الصحابة، والدليل عليه أن الصحابة أجمعت على جواز الأخذ بكل واحد من القولين، فإذا صار التابعون إلى القول بتحريم أحدهما لم يجز ذلك، وكان فرقاً للإجماع) (41). وقال ابن تيمية: (إذا كانت المسألة من مسائل الاجتهاد التي شاع فيها النزاع لم يكن لأحدٍ أن ينكر على الإمام، ولا على نائبه من حاكم وغيره) (42).

 

 

وسئل – رحمه الله – عمن ولي أمراً من أمور المسلمين ومذهبه لا يجوز شركة الأبدان ؛ فهل يجوز له منع الناس ؟ فأجاب: (ليس له منع الناس من مثل ذلك ولا من نظائره مما يسوغ فيه الاجتهاد، ولهذا فإن مثل هذه المسائل الاجتهادية لاتنكر باليد، وليس لأحدٍ أن يلزم الناس باتباعه فيها، ولكن يتكلم بالحجج العلمية ؛ فمن تبين له صحة أحد القولين تبعه، ومن قلد أهل القول الآخر فلا إنكار عليه) (43).

 

 

3- الإجماع على أنه يجوز للعامي سؤال من شاء من المفتين دون أن يتقيد ذلك بمذهب بعينه. قال ابن تيمية: (إذا نزلت بالمسلم نازلة فإنه يستفتي من اعتقد أنه يفتيه بشرع الله ورسوله من أي مذهب كان) (44).

 

 

وقال العز بن عبد السلام: (لا يتعين على العامي أن يقلد إماماً في سائر المسائل؛ لأن الناس منذ عهد الصحابة إلى أن ظهرت المذاهب يسألون من ظهر لهم من غير نكير) (45). فهذه الإجماعات السابقة أشار إليها العز بن عبد السلام في هذه المسألة فيما نقله عن القرافي، فقال: (إجماع الصحابة على أنه يجوز للعامي الاستفتاء لكل عالم في مسألة، ولم ينقل عن السلف الحجر في ذلك، ولو كان ممتنعاً ما جاز للصحابة إهماله وعدم إنكاره .

 

 

والثاني: إجماع الأمة أن من أسلم لا يجب عليه اتباع إمام معين ؛ فإذا قلد معيناً وجب أن يبقى ذلك التخيير المجمع عليه حتى يحصل دليل على رفعه، لا سيما والإجماع لا يرفع إلا بما هو مثله في القوة) (46).

 

 

إذا تبين ما سبق فنقول: إن إلزام المفتين – أو التزامهم – عدم الخروج عن رأي أو قول واحد في المسألة الشرعية الخلافية يحتاج للحكم عليه أن يقسم لثلاثة أحوال بحسب حال المفتي كما يلي:

 

 

الأول: المفتي الناقل : وهو المطلع على الأحكام الشرعية غير المجتهد، واستفتاء هذا خلاف الأصل، وهو إنما يسوغ عند عدم وجود المفتي المجتهد . قال ابن القيم: (إذا تفقه الرجل وقرأ كتاباً من كتب الفقه أو أكثر، وهو مع ذلك قاصر في معرفة الكتاب و السنة و آثار السلف والاستنباط والترجيح ؛ فهل يسوغ تقليده في الفتوى ؟ فيه للناس أربعة أقوال، والصواب فيه التفصيل، وهو: إن كان السائل يكنه التواصل إلى عالم يهديه السبيل لم يحل له استفتاء مثل هذا، ولا يحل لهذا أن ينصب نفسه للفتوى مع وجود هذا العالم، وإن لم يكن في بلده أو ناحيته غيره ؛ بحيث لا يجد المستفتي من يسأله سواه فلا ريب أن رجوعه إليه أولى من أن يقدم على العمل بلا علم أو يبقى مرتبكاً في حيرته متردداً في عماه وجهالته، بل هذا هو المستطاع من تقواه المأمور بها) (47).

 

 

ثم نظر ذلك بمسائل كثيرة تأتي أحكام الشريعة فيها بتحصيل المصالح حسب الإمكان . وهذا المفتي الناقل يسوغ له التقيد بالإخبار عن قول عالم، أو جهة معينة أذا اعتقد أن صاحب الفتوى هو الأفضل في علمه والأوثق في دينه – كما يفعل المقلد - .

 

 

أما لو لم يعتقد كونه – أو كونها – الأفضل والأوثق، وأن غير صاحب الفتوى أوثق وأفضل منه لم يجز له التزام الإخبار عن قوله ؛ لأنه يدل المستفتي على ما يعتقده أنه غير رشيد، وهذه خيانة له.

 

 

وقد تناول ابن القيم مسألة دلالة المفتي للمستفتي على غيره وقال: (هو موضع خطر جداً، فلينظر الرجل ما يحدث من ذلك: فإنه متسبب بدلالته إما إلى الكذب على الله ورسوله في أحكامه، أو القول عليه بلا علم. وكان شيخنا – يقصد ابن تيمية – شديد التجنب لذلك، ودللت مرة بحضرته على مفت أو مذهب، فانتهرني، وقال: ما لك وله ؟ دعه ففهمت من كلامه أنك تبوء بما عساه يحصل له من الإثم ولمن أفتاه) (48).

 

 

ثم نقل أن الإمام أحمد سئل عن الرحل يسأل من مسألة فأدله على إنسان يسأله، فقال: (إذا كان =يعني الذي أرشده إليه – متبعاً ويفتي بالسنة) يعني فلا بأس .

 

 

الثاني: المفتي الذي تعارضت لديه الأدلة ولم يتمكن من الترجيح : وقد اختلف أهل العلم في الواجب عليه على أقوال، واختار ابن القيم أن يتوقف عن الإفتاء حتى يتبين له الراجح منها. وقال: (هذا كما إذا تعارض عند الطبيب في أمر المريض أمران: خطأ وصواب، ولم يتبين له أحدهما؛ لم يكن له أن يقدم على أحدهما ولا يخيره، فمسائل الحلال والحرام أولى بالتوقف) (49).

 

 

وهذا خاص بما لو وجد المستفتي مفتياً آخر، وإلا لو لم يوجد غيره فلا يسوغ له التوقف كما تقدم في المفتي الناقل لفتوى غيره، بل هذا أظهر ؛ لأنه عجز، وبذلك ترتفع المؤاخذة ؛ إذ لا واجب بلا اقتدار . ولما قرر الشيخ ابن عثيمين أن التقليد يجوز في موضعين ذكر العامي كونه الموضع الأول ثم قال: (والثاني: أن يقع للمجتهد حادثة تقتضي الفورية ولا يتمكن من النظر فيها، فيجوز له التقليد حينئذ) (50).

 

 

وكما تقدم فليس له أن يحيل إلا إلى رأي من يعتقده أهلاً للاجتهاد، أما لو لم يعتقد أهليته للاجتهاد فليس له أن يلتزم رأيه فيما عجز عن إدراك الراجح فيه، ويفتي بقول من يعتقده أقرب إلى إصابة الحق .

 

 

الثالث: المفتي المجتهد : إذا تبين ما سبق من الإجماعات من أنه ليس يلزم المستفتي أن يقلد واحداً بعينه، ولا يمنع الإنسان من أن يفتي برأيه ما دام في مسألة خلافية، ولا يجوز له أن يفتي بغير ما يعتقده فنقول: إن إلزام المفتين المجتهدين أو التزامهم عدم الخروج عن رأي أو قول واحد في المسألة الشرعية الخلافية محرم وفاعله ظالم لنفسه . قال ابن تيمية: (الظالم يكون ظالماً بترك ما تبين له من الحق، واتباع ما تبين له أنه باطل والكلام بلا علم . فإذا ظهر له الحق فعدل عنه كان ظالماً) (51). وقال ابن القيم: (ليحذر المفتي الذي يخاف مقامه بين يدي الله -سبحانه– أن يفتي السائل بمذهبه الذي يقلده، وهو يعلم أن مذهب غيره في تلك المسألة أرجح من مذهبه وأصح دليلاً، فتحمله الرياسة على أن يقتحم الفتوى بما يغلب على ظنه أن الصواب في خلافه فيكون خائناً لله ولرسوله وللسائل وغاشاً له، والله لا يهدي كيد الخائنين، وحرم الجنة على من لقيه وهو غاش للإسلام وأهله، والدين النصيحة والغش مضاد للدين) (52).

 

 

وعلى هذا السنن كانت وقائع الأعيان من أفعال الصحابة رضي الله عنهم . فعن عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – أنه لقي رجلاً فقال: ما صنعت ؟ قال: قضى علي وزيد بكذا . قال: لو كنت أردك إلى كتاب الله -عز وجل – أو إلى سنة نبيه لفعلت، ولكني أردك إلى رأيي والرأي مشترك(53). واختلف الصحابة ومن بعدهم في مسائل كثيرة من مسائل العلم(54).

 

 

ولم يلزم أحد منهم غيره برأيه، ولا التزم أحد منهم رأي غيره، لكن مع ذلك نبذوا الفرقة والخلاف(55). ولما أتم عثمان بن عفان ـ رضي الله عنه ـ الصلاة بمنى أربع ركعات وقيل ذلك لابن مسعود استرجع، ثم قال: صليت مع رسول الله –صلى الله عليه وسلم- وأبي بكر وعمر بمنى ركعتين ؛ فليت حظي من أربع ركعات ركعتان متقبلتان(56). ثم صلى أربعاً، وقال: الخلاف شر(57). فمعنى هذا أنه ائتم بعثمان فأتم ؛ إذ القصر غير واجب ؛ لأنه مأموم والمأموم يتم خلف المقيم . ولذا كان ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ: إذا صلى معه صلى أربعاً، وإذا صلى وحده صلى ركعتين(58).

 

 

فابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ موافق لعثمان ـ رضي الله عنه ـ في جواز الإتمام، لكنه يرى الفضيلة في القصر كما فعله النبي –صلى الله عليه وسلم- وصاحباه(59). وخلاصة ما سبق أنه (ليس لأحد أن يلزم أحداً بقبول قول غيره ولو كان حاكماً) (60). وأنه (لو شرط على المفتي ألا يفتي إلا بمذهب معين بطل الشرط، ولا يجب التزامه بل ولا يسوغ) (61). ولو نظر المتأمل إلى آثار توحيد الفتوى لوجد جملة من المفاسد، منها: أن يترك الناس الواجب عليهم، ويعتقدوا من الرأي ما لا قناعة لهم به، ويضيعوا اجتهاد فقهاء سلف الأمة، وأن يكون المفتي آلة تنقل فتوى من سبقه حتى يصدر من لم يتأهل ؛ إذ لا يحتاج سوى استحضار رأي من سبقه ممن تعتمد فتواه . ومنها أيضاً: منع تغير الفتوى بتغير الزمان والحال ـ مما يدخل في ضابط هذا الأمر ـ وعجز التفكير عن المغرضين يحثه على ذلك تطلبه لسهولة توجيه الناس ؛ من خلال نصب من لم يتأهل للإفتاء لما يريد .

 

 

الواجب على المجتهد إذا ألزم توحيد الفتوى:

 

 

 

الواجب عليه أن ينظر في الآراء التي ألزم الإفتاء بها: 1- فما كان راجحاً منها لديه أفتى به وهو مطمئن الصدر . 2- وما كان مرجوحاً لديه فإنه لا يفتي إلا بما يعتقده صواباً ما دام مسؤولاً عن الحكم الشرعي وليس عن رأي الجهة الملزم بها . فإن خاف ضرراً على نفسه امتنع عن الإفتاء، وليس له أن يفتي بغير ما يعتقده وإن وسعه السكوت .

 

 

وقد حصل ذلك لأحد المفتين ممن ينسب لمذهب أبي حنيفة ؛ فإنه إن أفتى بما لا يعتقد نزع عن الإفتاء، فاستشار شيخ الإسلام ابن تيمية فقال له: (اجعل المذهب على أقسام: قسم الحق فيه ظاهر بين موافق للكتاب والسنة فاقض به وأفت به طيب النفس منشرح الصدر، وقسم مرجوح وخالفه الدليل فلا تفت به ولا تحكم به وادفعه عن نفسك) (62). أما الإخبار المجرد ـ لمن سأل عنه ولم يسأل عما تبرأ به الذمة ـ لا حرج منه كما تقدم .

 

 

الحل الشرعي للاختلاف والتساهل في الفتوى:

 

 

 

لعل من أهم ما دفع الغيورين إلى الدعوة إلى توحيد الفتوى ما قد يحصل من بعض من يتصدى للإفتاء من التساهل، وما يجدونه من تفاوت في آراء أهل العلم في عدد من المسائل، مما يقع العامي في الإشكال، ولعل من نظر فيما تقدم يتساءل عن الحل الشرعي لهذه المشكلة، وهي وإن كانت تستحق الإفراد ببيان خاص لعله أن يكون في عدد مقبل إلا أنني أشير هنا إلى أبرز الحلول الشرعية:

 

1- نشر ثقافة التعامل مع الخلاف: وذلك بتوعية الناس أن الخلاف واقع وموجود، وهو إنما يذم إذا عارض قاطعاً من الدين أو ضرورياً منه، وأن صحابة النبي –صلى الله عليه وسلم- في زمنه وبعده وكذلك من بعدهم اختلفوا، وتفاوتت اجتهاداتهم، ولم يكن هذا سبباً لفرقة ولا اضطراب، ومن أمثلة هذا ما رواه ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ قال: قال لنا النبي –صلى الله عليه وسلم- لما رجع من الأحزاب: " لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة "، فأدرك بعضهم العصر في الطريق، فقال بعضهم: لا نصلي حتى نأتيها، وقال بعضهم: بل نصلي، لم يرد ذلك منا فذكر ذلك للنبي –صلى الله عليه وسلم- فلم يعنف واحداً منهم(63).

 

 

فالقوم كانوا حال قتال وهم أحوج ما يكونون إلى ما يكونون إلى الاتفاق وترك النزاع كما أمروا بذلك عند الحرب: "ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم" [الأنفال: 46] . ومع ذلك لم يترك واحد منهم ما أداه إليه اجتهاده، ولم يكن ذلك سبباً للفرقة . فاختلاف الاجتهاد يلزم كل مجتهد أن يأخذ بما أداه إليه اجتهاده، ويلزم مخالفة ألا يثرب عليه (64). ويوضح هذه الفقرة ما يلي:

 

 

2- تعليم الناس التعامل مع اختلاف المفتين: فإذا وجد السائل فتويين مختلفتين فإنه يتعامل معهما بالطريقة التي بينها أهل العلم بإسهاب كثير في كتب الفقه والأصول(65). وقد أوجز ابن القيم الخلاف، وبين الراجح بقوله: (فإن اختلف عليه مفتيان فأكثر، فهل يأخذ بأغلظ الأقوال، أو بأخفها، أو يتخير، أو يأخذ بقول الأعلم أو الأورع، أو يعدل إلى مفت آخر، فينظر من يوافق من الأولين فيعمل بالفتوى التي يوقع عليها، أو يجب عليه أن يتحرى ويبحث عن الراجح بحسبه ؟ فيه سبعة مذاهب، أرجحها السبع، فيعمل كما يعمل عند اختلاف الطريقين أو الطبيبين أو المشيرين) (66).

 

والمنى أن الإنسان إذا مرض وأشار إليه طبيبان بعلاجين مختلفين فإنه يجتهد في الأرجح منهما ؛ لكونه أكثر علماً أو أقدم تجربة، أو أكثر حرصاً، أو غيرها من أوجه الترجيح، وكما يفعل في علاج بدنه يستعمل ذلك لعلاج القلب ؛ ودواء دينه على يد الفقيه، فيأخذ بقول الأورع الأعلم صاحب الخبرة في مجاله الذي تطمئن النفس إلى فتواه لكمال أحواله بالنسبة لغيره . قال ابن تيمية: (وأما تقليد المستفتي للمفتي فالذي عليه الأئمة الأربعة وسائر أئمة العلم أنه ليس على أحد التزام قول شخص معين إلا رسول الله –صلى الله عليه وسلم-، لكن منهم من يقول: على المستفتي أن يقلد الأعلم الأورع ممن يمكن استفتاؤه، والأول أشبه، فإذا ترجح عند المستفتي أحد القولين ـ فله ذلك وإن خالف قوله المذهب) (67).

 

فلا يكفي المستفتي أن يتبع قولاً سمعه من أحد المفتين فقط، ولا تبرأ ذمته به بمجرده . قال ابن القيم: (المستفتي لا تخلصه فتوى المفتي من الله إذا كان يعلم أن الأمر في الباطن بخلاف ما أفتاه، ولا يظن المستفتي أن مجرد فتوى الفقيه تبيح له ما سأل عنه سواء تردد أوحاك في صدره لعلمه بالحال في الباطن، أو لشكه فيه، أو لجهله به، أو لعلمه بجهل المفتي، أو بمحاباته له في فتواه، أو لأنه معروف بالفتوى بالحيل والرخص المخالفة للسنة، أو غير ذلك من الأسباب المانعة من الثقة بفتواه وسكون النفس إليها؛ فإن كان عدم الثقة والطمأنينة لأجل المفتي يسأل ثانياً وثالثاً حتى تحصل له الطمأنينة) (68).

 

 

3- الحجر على المفتي الجاهل والماجن: وهذا مقرر عند أهل العلم، وهو من واجبات الراعي وحقوق رعيته عليه ؛ وذلك لأنه يحرم على المفتي الإفتاء فيما لا يعلم ؛ لقوله ـ تعالى ـ: "قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون" [ الأعراف: 33 ] . ومن امتنع من أداء ما وجب عليه أداه عنه السلطان . وقد كان الخلفاء يمنعون غير من تأهل من الإفتاء ؛ ففي سير أعلام النبلاء(69): (روى إبراهيم بن عمر بن كيسان قال: أذكرهم في زمان لني أمية يأمرون في الحج منادياً يصيح: لا يفتي الناس إلا عطاء بن أبي رباح، فإن لم يكن عطاء فعبد الله ابن أبي نجيح) . وقال ابن القيم :( من أفتى الناس وليس بأهل للفتوى فهو آثم عاص، ومن أقره من ولاة الأمر على ذلك فهو آثم أيضاً . قال أبو الفرج ابن الجوزي ـ رحمه الله ـ: ويلزم ولي الأمر منعهم، كما فعل بنو أمية، وهؤلاء بمنزلة من يدل الركب وليس له علم بالطريق، وبمنزلة الأعمى الذي يرشد الناس إلى القبلة، وبمنزلة من لا معرفة له بالطب وهو يطب الناس، بل هو أسوأ حالاً من هؤلاء كلهم، وإذا تعين على ولي الأمر منع من لم يحسن التطبب من مداواة المرضى؛ فكيف بمن لم يعرف الكتاب والسنة ولم يتفقه في الدين؟)(70). وقد ذكر الفقهاء تطبيقاً لقاعدة (دفع الضرر الأعلى بالأدنى) الحجر على المتطبب الجاهل والمفتي الماجن (الذي لا يبالي ما صنع، أو يعلم الناس الحيلة الباطلة، ولا يبالي بتحريم الحلال وتحليل الحرام ؛ فهذا ضرره متعد إلى العامة) (71).

 

 

4- الاحتساب عليه: وهو من عمل العلماء، ويكون الاحتساب بالإنكار والمناصحة، بالأسلوب المحقق للغرض، حسبما يراه أهل العلم، وهذا لاشك من إنكار المنكر المأمور به. ولما ذكر ابن القيم حال المفتي غير الأهل للإفتاء قال: (وكان شيخنا ـ يقصد ابن تيمية ـ شديد الإنكار على هؤلاء، فسمعته يقول: قال لي بعض هؤلاء: أجعلت محتسباً على الفتوى ؟ فقلت له: يكون على الخبازين والطباخين محتسب، ولا يكون على الفتوى محتسب ؟)(72). وبعد: فهنا وقف القلم وفي المجال مربى لمن أراد الزيادة مقولاً ومنقولاً، وحسبي أن أتلمس جوانب من الموضوع تلفت الأنظار إليه، فينبري الموفق لبسط الفائدة وإتمام النقص، والله الهادي والموفق لا إله إلا هو.

 

التعليقات المنشورة في الموقع تعبر عن آراء أصحابها فقط، ولا تتحمل شبكة نور الإسلام أي مسؤولية عنها ولا تتبناها بالضرورة.

«««« لقراءة شروط نشر التعليق الرجاء الضغط هنا »»»»

شروط نشر التعليق

- أن يكون حول الموضوع وليس خارجه.
- الالتزام بأدب الرد والنصح والبيان.
- اجتناب ألفاظ السوء.
- ونأسف على حذف كل تعليق لا يلتزم بالشروط أعلاه.

 

كتابة تعليق
الاسم:
العنوان:
تأثير نصي:صفحة انترنتبريد الكترونيخط عريضخط مائلنص تحته خطاقتباسكودفتح قائمةعناصر القائمةإغلاق القائمة
التعليق:

طباعة 459  زائر ارسال